ليست الجريمة أن تُعتقل امرأة فلسطينية فحسب، بل أن تُعتقل وهي تحمل بين أحشائها حياةً لم تبصر النور بعد. وليست المأساة أن يُسلب طفلٌ حريته فقط، بل أن يُسرق منه حقُّه في الطفولة والأمان ودفء أحضان أمه.
في سجون الاحتلال، لا يقبع الأسرى وحدهم خلف القضبان، بل تُزَجُّ الأجنَّةُ في معركة لم تولد إليها بعد، وتُقاد الطفولة مكبلةً إلى زنازين باردة لا تعرف لغة الحنان. هناك، تتحوّل الأسيرة الحامل إلى قضية إنسانية مركبة، تحمل في رحمها حياةً تُعاقَب قبل أن ترى النور، فيما يتحول الطفل الأسير إلى شاهدٍ حيٍّ على سقوط كل الشعارات التي تتغنى بحقوق الإنسان.
تشير المعطيات الحديثة إلى وجود (99) أسيرة فلسطينية في سجون الاحتلال، بينهن أسيرات حوامل وأطفال وأسيرات مريضات بالسرطان، يتعرضن لسياسات التجويع والإهمال الطبي والتفتيش العاري والعزل والحرمان من الزيارة. أما الأطفال الأسرى، فقد تجاوز عددهم (350) طفلاً، يقبع معظمهم في سجني مجدو وعوفر، محرومين من أبسط حقوقهم الإنسانية والقانونية.
إن الأسيرة الحامل لا تحتاج إلى زنزانة، بل إلى سرير طبي آمن، وإلى غذاء ورعاية وطمأنينة، لكن الاحتلال يجعل من الحمل تهمة، ومن الأمومة جريمة تستوجب العقاب. فالتجويع الذي تتعرض له الأسيرات الحوامل لا يهدد المرأة وحدها، بل يهدد حياة جنينٍ لا ذنب له سوى أنه فلسطيني قبل أن يولد.
أما الأطفال الأسرى، فإن الاحتلال لا يعتقل أجسادهم الصغيرة فحسب، بل يعتقل أحلامهم أيضاً. ففي الوقت الذي يحمل فيه أطفال العالم دفاترهم المدرسية وألعابهم، يحمل أطفال فلسطين أرقام الاعتقال وذكريات التحقيق وأبواب الزنازين الثقيلة.
إن القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف وقواعد الأمم المتحدة النموذجية لمعاملة السجناء، جميعها تؤكد ضرورة توفير حماية خاصة للنساء الحوامل والأطفال، لكن ما يجري في سجون الاحتلال يمثل انتهاكاً صارخاً لهذه المواثيق الإنسانية.
إننا لا نتحدث اليوم عن أرقام وإحصائيات جامدة، بل عن أمهات ينتظرن المخاض خلف القضبان، وعن أطفالٍ ينتظرون طفولتهم خلف الأبواب الحديدية، وعن عالمٍ أصبح صمته شريكاً في الجريمة.
فحين تُعتقل الأمومة، وتُؤسر الطفولة، يصبح الصمتُ جريمةً أخرى، ويصبح الدفاعُ عن هؤلاء واجباً أخلاقياً وإنسانياً ووطنياً لا يقبل التأجيل.
سيكتب التاريخ يوماً أن في هذا العالم أجنَّةً فلسطينيةً عاشت خوف الاعتقال قبل أن ترى الضوء، وأن أطفالاً فلسطينيين عرفوا معنى القيد قبل أن يتعلموا كتابة أسمائهم، وأن الحرية التي تأخرت كثيراً ستأتي حتماً، لأن الأرحام لا تنجب إلا الحياة، ولأن الطفولة لا تُهزم مهما طال ليل السجان.






