يقولُ الخبر: تعاني الأسيرة فاطمة سائد يوسف من تدهورٍ خطيرٍ في حالتها الصحيَّة؛ بعد إصابتها بالتهاب الكبد الوبائيِّ (C)، والتهابٍ حادٍّ في موضعِ عمليةٍ جراحيَّةٍ سابقة.
لا يُخبرك أنَّ المرضَ خلفَ القضبان لا يواجه جسدًا فقط، بل يواجه روحًا مُثقَّلةً بالانتظار، وأمًّا تركتْ خلفَها ستةَ أطفالٍ يحملونَ صورتَها في قلوبٍ صغيرةٍ لم تتعلَّم بعد كيف تُصادقُ الغياب.
لا يُخبرك أنَّ بيتًا كان يستمدُّ دفأَهُ من حضورِها، تغيَّرت تفاصيلُه منذ غيابِها؛ صوتٌ كان يملأُ الصباحَ حياة، ويدٌ تُرتِّبُ الفوضى بحب، وموائد ينقصُها ذلك الدفءُ الذي لا يُعوِّضُه أحد.
لا يُخبرك أنَّ العائلة لا تحملُ وجعَ الفقدِ فقط، بل تحملُ وجعَ العجزِ أيضًا؛ أن تعرفَ أنَّ أمًّا مريضةً تقبعُ خلفَ بابٍ مغلق، وأنْ تبقى الأسئلة معلَّقة: كيفَ حالُها؟ هل خفَّ ألمُها؟ هل وجدت مَن يعتني بها حين اشتدَّ عليها التعب؟
لا يُخبرك أنَّ فاطمة حينَ يشتدُّ عليها المرض لا تبحثُ عن دواءٍ فقط، بل عن صوتٍ تعرفُهُ، وعن يدٍ تمتدُّ إليها، وعن وجهٍ من وجوه أطفالِها الستة يُخبرُها أنَّ كلَّ شيءٍ بخير…
لا يُخبرك أنَّ الليلَ داخلَ السجنِ ليس ساعاتٍ تمضي، بل مساحةٌ طويلةٌ يُواجه فيها الإنسانُ ضعفَه وحيدًا؛ حين يثقلُ الجسد، ويصبحُ أبسطُ ما يتمناه المرءُ صوتًا قريبًا يقولُ له: «أنا هُنا».
لا يُخبرك أنَّ أصعبَ ما في وجعِ الأمِّ ليس ما يُصيبُها وحدَها، بل ما تخشاه أن يفوتَها؛ أعمارٌ تمضي بعيدًا عنها، وتفاصيل صغيرة يكبرُ عليها أطفالُها دون أن تكون شاهدةً عليها.
لا يُخبرك أنَّ فقدانَ اثنينِ وعشرينَ كيلوغرامًا من الجسد ليس رقمًا في تقريرٍ طبيٍّ، بل حكايةُ جسدٍ يخوضُ معركتَه وحيدًا؛ ليالٍ ثقيلة، وقلقُ أمٍّ على أطفالِها، وصبرُ امرأةٍ تحاولُ أن تبقى واقفةً رغم أنَّ كلَّ شيءٍ من حولِها يدفعُها إلى الانهيار.
يقولُ الخبر: إنَّ الأسيرة فاطمة سائد يوسف تعاني من تدهورٍ صحيّ.
لكنَّ الحقيقة أنَّ هناكَ أمًّا يُنهكُها المرضُ بعيدًا عن أطفالِها، وقلوبًا صغيرةً تتعلَّمُ معنى الانتظارِ قبلَ أوانِه، وعائلةً تعيشُ على فتاتِ الأخبارِ خِشيةَ أن يأتيَها ما لا تحتمل.
وهكذا… ينتهي الخبر، بينما تبقى الحكايةُ أكبرَ من أن تتَّسعَ لها الأخبار.







