هذه الرّواية ليست العمل الأدبي الأول للباحثة والأديبة نسب أديب حسين، لكنها الرواية الأولى التي ترسم خارطة الوجع، والأمل، والحب، والطموح، والفقد، والحياة للدكتورة نسب. فقد رسمت فلسطين بكل وجعها وآمالها وفراديسها الملغومة التي عاشها، ولا يزال يعيشها، الفلسطيني حتى اللحظة.
كتب الكثير من النقاد والأدباء عن هذه الرواية، وتناولتها العديد من المحافل الأدبية بالقراءة والنقد، وتعددت القراءات حول «الفراديس الملغومة». وللقارئ أن يتخيل ويعتقد ما يريد في تصنيف هذه الرواية؛ فإن أرادها رواية عن الحب فهي كذلك، وإن أرادها عن التاريخ فهي كذلك، وإن أرادها عن التنوع الديني والطائفي فهي كذلك، وإن أرادها عن العادات والتقاليد فهي كذلك، وإن أرادها عن معاناة الفلسطيني فهي كذلك، وإن أرادها عن طموحات الشباب فهي كذلك، وإن أرادها روايةً سياسية فهي كذلك، وإن أرادها سيرةً ذاتية فهي كذلك؛ لأن الكاتبة تكتب أحداثًا عايشتها وانخرطت فيها يوميًا، فهي أحداث تحدث بشكل يومي، حتى لو كانت من نسج خيال الكاتبة وإبداعاتها.
إنّها رواية ترسم فلسطين بكل أبعادها، وتتجاوز الحدود والحواجز والمسافات؛ رواية تعيد إلى فلسطين هويتها التاريخية والعربية الموحدة؛ الشجرة التي استظل تحتها كل الفلسطينيين، من طولكرم شمالًا، إلى رام الله، منتصف الحلم، إلى القدس، قلب الحب النابض، إلى الخليل جنوبًا، إلى غزة، عمودنا الفقري، وصولًا إلى قرى ومدن فلسطين المحتلة عام 1948. ولكلٍّ حياته وآماله وطموحاته؛ فكلٌّ يعيش فردوسه الخاص به، ولا يعكر صفوه إلا ذلك الغريب القادم من خلف الحدود، ليقتلع شعبًا متجذرًا في أرضه ووطنه.
استطاعت الكاتبة أن توحّد فلسطين كلها عبر شخوص روايتها، من الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب، وهو ما عجز عنه السياسيون على مدار عقود. فعائشة المسلمة تلتقي وتعيش في سكن الطالبات مع جوليا المسيحية، وكذلك حمزة ابن طولكرم يقع في حب عائشة، ابنة فلسطين المحتلة عام 1948. وتلتقي الشخصيات في القدس لتشارك في أحداث حقيقية حدثت بالفعل، مثل تركيب الأبواب الإلكترونية على بوابات الأقصى، وينتصر الفلسطيني، المسلم والمسيحي والدرزي، ويواجهون محتلًا واحدًا لا يفرّق في عدائه بينهم.
هذه الرّواية تطرح كل شيء: الخلافات السياسية والطائفية، وأزمة الهوية التي قد يعيشها بعض أهلنا في فلسطين المحتلة عام 1948، وتطرح صراع القيم حتى بين أبناء الطائفة الواحدة، وتأثير المكان في هوية الإنسان المقيم فيه، مثل رند، الفلسطينية الدرزية، التي عاشت وكبرت في فلسطين، وسافرت إلى أمريكا لتلتقي حبيبها اللبناني الدرزي أيضًا، لكنه لم ينسجم معها بسبب اختلاف ثقافة المكان.
«ماهر» أراد رند قبل الزواج، لكن الأخيرة رفضت ذلك؛ لأنها أتت من ثقافة مختلفة ومحافظة، على عكس عمها وحبيبها اللذين تشربا ثقافة الآخر وتشبّعا بها.
تطرح الرواية العديد من المسائل والأفكار، وربما تحتاج إلى أكثر من قراءة وأكثر من مقال، بل تحتاج إلى بحث متكامل يبحث في أدق تفاصيل الشخوص والمكان والثقافة والعادات والتاريخ، والأهم من ذلك الإنسان الذي يعيش في فردوسه الخاص، وجنته التي ارتبط بها، ولا يقبل بديلًا عن هذا الفردوس. لكن هذه الفراديس ملغومة بالمحتل تارةً، وبالعادات تارةً أخرى، وبالأمل والطموح للفلسطيني على كامل خارطة الفقد والوجع والألم.
التقدير والاحترام للدكتورة نسب، ومزيدًا من الإبداع والتميز، وهي قادرة على ذلك دائمًا.







