لم تمض ساعات قليلة على خطاب الملك المغربي، محمد السادس، بمناسبة عيد العرش، والذي عدّد فيه «الإنجازات الخارقة» التي حققتها المملكة وما وفّرته من شروط العيش الكريم لجميع المغاربة، كما قال، حتى استيقظ العالم صباح الخميس أجمع على صور صادمة تظهر حشودا من المواطنين المغاربة، بينهم نساء وأطفال، يفرّون نحو مدينة سبتة الإسبانية بعد كسر الطوق الأمني الذي فرضه الحرس المدني الاسباني داخل المنطقة الحدودية.
يبدو أن الملك المغربي كان يخاطب نفسه وفئة المستفيدين من حكمه عندما كان يحصي إنجازات حكمه الوهمية ويدّعي بأن المغرب أصبح فاعلا اقتصاديا مهما على الساحتين الإقليمية والدولية، وبأنه عزز مكانته كقطب للاستثمار الصناعي والسياحي والمالي، و حقق لشعبه مكاسب اجتماعية كبيرة. فالشعب المغربي لم يكن يبالي بخطاب ملكه ولا بما تضمنه من إحصائيات يدرك جيّدا بأنها بعيدة كلّ البعد عن الواقع البائس الذي يعيشه، ولهذا وفي اللحظة الذي كان الملك يخاطبه فيها، كانت عيونه مشرئبّة تجاه الضفة الأخرى تنتظر أوّل فرصة للفرار من البلاد التي أصبحت مرتعا للفساد والفقر والقمع والظلم والتغلغل الصهيوني.
الصور التي هزّت وسائل الإعلام العالمية كانت بالفعل صادمة، حيث أظهرت حشودا كبيرة من الشباب والأطفال القصّر والنساء و العائلات وهي تكسر الطوق الأمني الذي فرضه الحرس المدني الاسباني داخل المنطقة الحدودية، لدخول سبتة سباحة أو التفافا حول الحاجز البحري للوصول إلى المدينة، في مشهد أعاد إلى الواجهة أزمات مماثلة.
أبرز محاولات العبور الجماعي
ما وقع يوم الخميس، لم يكن حدثاً معزولاً في تاريخ هروب المغاربة نحو إسبانيا، لكنه يمثل أحدث حلقة في سلسلة من محاولات العبور الجماعي التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة.
فمنذ أزمة ماي 2021، مروراً بالهروب الكبير في سبتمبر2024، وصولاً إلى الموجة الحالية في صيف 2026، تكررت المشاهد ذاتها بأشكال مختلفة، بينما بقي العامل المشترك هو إقدام آلاف الشباب، بل وحتى النساء والأطفال، على المجازفة بحياتهم من أجل بلوغ الضفة الأخرى فرارا من وضعهم المعيشي المزري وبحثا عن حياة أفضل في أوروبا.
غــزو مغربــي
وتبقى أحداث ماي 2021 أكبر موجة عبور جماعي شهدتها سبتة الإسبانية منذ عقود، بعدما تمكن نحو 8 آلاف شخص، بينهم حوالي 1500 قاصر، من الوصول إلى المدينة خلال أيام قليلة، مستغلين تخفيف السلطات المغربية لإجراءات المراقبة على الحدود في خضم أزمة دبلوماسية مع إسبانيا على خلفية استقبال مدريد للرئيس الصحراوي إبراهيم غالي للعلاج.
آنذاك، عبر معظم المهاجرين سباحة أو سيراً عبر الحواجز البحرية المحيطة بسبتة.
وردّت مدريد بإرسال الجيش والحرس المدني إلى المدينة، كما فعّلت عمليات الإرجاع السريع للمهاجرين، في وقت اعتبر فيه رئيس حكومة سبتة، خوان فيفاس، ما وقع غزواً، بينما وصف زعيم حزب «فوكس» اليميني المتطرف سانتياغو أباسكال ما جرى بأنه غزو مغربي.
2024.. الهروب الكبير
بعد ثلاث سنوات، عادت مدينة الفنيدق إلى واجهة الأحداث، لكن هذه المرة عبر دعوات واسعة انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي تدعو إلى تنفيذ الهروب الكبير يوم 15 سبتمبر 2024.
وتحولت الدعوات الرقمية إلى تحرك ميداني، بعدما شد آلاف الشباب الرحال من مختلف المدن المغربية نحو شمال البلاد، أملاً في اقتحام الحدود المؤدية إلى سبتة الإسبانية.
وقد كشفت الأحداث حجم الإقبال على الهجرة، خاصة بين فئة الشباب، وأثارت نقاشاً واسعاً حول أسباب هذا اليأس الجماعي.
واعتبر نشطاء مغاربة أن تلك الأحداث لم تكن مجرد محاولة هجرة جماعية، بل صرخة اجتماعية تعكس اختلالات اقتصادية واجتماعية تدفع آلاف الشباب إلى اعتبار الهجرة الخيار الوحيد.
صيف 2026: أسوأ أزمة
تختلف الموجة الحالية عن سابقاتها في أن معظم محاولات العبور لم تعد تعتمد على اقتحام المعبر الحدودي أو السياج الفاصل، وإنما أصبحت تتم عبر البحر، من خلال الالتفاف حول الحاجز البحري الفاصل بين المغرب وسبتة.
وخلال الأيام الأخيرة، سجلت المدينة الإسبانية وصول مئات المهاجرين يومياً، بينما تحدثت وسائل إعلام إسبانية عن «أسوأ ضغط هجرة منذ أزمة ماي 2021».
وقد وثقت وسائل الإعلام الإسبانية مشاهد لعائلات كاملة تعبر البحر وتلتف حول الحاجز في حشود غفيرة، بينها آباء وأمهات يحملون أطفالاً لا تتجاوز أعمار بعضهم خمس سنوات، إضافة إلى نساء ظهرن بملابس النوم، في مشاهد اعتبرتها الصحف دليلاً على أن قرار المغادرة يتم أحياناً بشكل مفاجئ، دون استعداد أو تجهيز مسبق.
وفي إحدى أبرز الوقائع، أنقذ الحرس المدني الإسباني امرأة حاملاً كانت تعبر البحر رفقة زوجها ورضيعها، بعدما كان الطفل مربوطاً على ظهرها خلال السباحة، فيما نقل الثلاثة إلى المستشفى بسبب معاناتهم من انخفاض حرارة الجسم.
أزمة اجتماعية متواصلة
ورغم اختلاف السياقات بين 2021 و2024 و2026، فإن القاسم المشترك بين المحطات الثلاث يبقى تزايد أعداد الشباب الراغبين في الهجرة بسبب التدهور المعيشي، مع تغير طرق العبور فقط.
فإذا كانت أزمة ماي 2021 ارتبطت بخلاف دبلوماسي بين الرباط ومدريد، فإن محاولة سبتمبر 2024 ارتبطت بدعوات شبابية واسعة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بينما تبدو موجة 2026 أكثر ارتباطاً بعوامل اجتماعية واقتصادية، وبحالة اليأس التي تدفع مئات الشباب، بل وحتى عائلات بأكملها، إلى المخاطرة بحياتهم في عرض البحر.


