تطويــر نظــام الإنــذار المبكّـر والتنسيـق بـــين المؤسّســات
توّلت الجزائر، بداية من يوم أمس، الرّئاسة الدورية لمجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي، في مرحلة تواجه فيها القارة أزمات متداخلة وحادة، تتراوح بين النزاعات المسلّحة والإرهاب والتغييرات غير الدستورية للحكم، إلى جانب تنامي التدخّلات الأجنبية التي تزيد من تعقيد مسارات التسوية.
علي مجالدي
تأتي الرئاسة الجزائرية بعد انتخاب الجزائر، في 15 أفريل الماضي، عضوا في مجلس السلم والأمن لعهدة تمتد ثلاث سنوات، من 2025 إلى 2028، وهو انتخاب يعكس الثقة في دورها داخل المنظومة القارية، خاصة في مجالات الوقاية من النزاعات والوساطة ومكافحة الإرهاب والدفاع عن الحلول السياسية السلمية.
ويعد مجلس السلم والأمن الهيئة القارية المركزية المكلفة بمتابعة قضايا الأمن والاستقرار، ويضم 15 دولة عضوا، فيما تتولّى كل دولة الرئاسة لمدة شهر وفق مبدأ التناوب. ويسمح ذلك للدولة التي تترأّس المجلس بالمساهمة في تحديد أولويات جدول الأعمال، وإدارة النقاشات المتعلقة بالأزمات القائمة والملفات الأمنية المشتركة.
ويقوم البرنامج الذي أعدّته الجزائر لشهر أوت على معالجة الأوضاع الأمنية الراهنة، مع التركيز على السودان وجنوب السودان، إلى جانب تنظيم جلسات تتعلّق بالحوكمة وتطوير نظام الإنذار المبكّر والتنسيق بين مؤسّسات الاتحاد الإفريقي المكلفة بمتابعة الأزمات ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة.
كما يتضمّن البرنامج اجتماعا لدراسة الإطار المرجعي للجنة الفرعية لمكافحة الإرهاب التابعة للمجلس، واجتماعا تنسيقيا مع الدول الإفريقية الأعضاء في مجلس الأمن الدولي، بهدف تعزيز انسجام المواقف الإفريقية داخل الهيئة الأممية والدفاع بصورة أفضل عن أولويات القارة.
حلول إفريقية
تسعى الجزائر، من خلال رئاستها، إلى تعزيز مبدأ “الحلول الإفريقية للمشكلات الإفريقية”، باعتباره مدخلا أساسيا لتقليص اعتماد القارة على المبادرات الخارجية، التي كثيرا ما ترتبط بحسابات ومصالح لا تتوافق بالضرورة مع أولويات الدول الإفريقية.
وفي هذا الإطار، أكّد الدكتور منصوري عبد القادر، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، في تصريح لـ«الشعب”، أنّ الجزائر شدّدت خلال السنوات الأخيرة على ضرورة بناء مؤسّسات إفريقية قادرة على إيجاد حلول للمشكلات التي تعاني منها القارة، والحد من التدخّلات الأجنبية الصادرة عن دول من خارج إفريقيا تسعى إلى التأثير في استقرار الدول الإفريقية لخدمة مصالحها الخاصة أو مصالح أطراف أخرى.
وأوضح منصوري أنّ المقاربة الجزائرية لا تقتصر على التعامل مع النزاعات بعد اندلاعها، بل تقوم على تطوير أدوات تمكّن الاتحاد الإفريقي من اكتشاف مؤشّرات الأزمات في مراحل مبكرة، ثم التحرّك سياسيا ودبلوماسيا قبل تحوّلها إلى نزاعات مفتوحة يصعب احتواؤها.
وبالنسبة إلى نظام الإنذار المبكّر، يركّز البرنامج الجزائري على تحسين التنسيق بين الآلية الإفريقية للتقييم من قبل النظراء، ومركز الاتحاد الإفريقي لمكافحة الإرهاب، وآلية الاتحاد الإفريقي للتعاون الشرطي “أفريبول”. وتوجد المؤسّستان الأخيرتان في الجزائر، وهو ما يمنح البلاد خبرة مباشرة في ملفات الإرهاب والجريمة العابرة للحدود وتبادل المعلومات الأمنية.
ويهدف هذا التنسيق إلى الانتقال من جمع المعلومات وإعداد التقارير إلى بناء استجابة عملية، تسمح بتنبيه مؤسّسات الاتحاد الإفريقي إلى عوامل التوتر، سواء كانت سياسية أو أمنية أو اجتماعية، ثم اقتراح الوساطات أو التدابير الوقائية المناسبة. ويضع الموقع الرّسمي لمجلس السلم والأمن، الإنذار المبكّر ومنع النزاعات ضمن المكونات الأساسية للمنظومة الإفريقية للسلم والأمن.
وفي سياق متصل، يمثل السودان أحد أبرز الملفات التي ستعمل عليها الرئاسة الجزائرية، بالنظر إلى استمرار النزاع وتعدّد الأطراف الخارجية المنخرطة فيه، مقابل تعثر الجهود الرامية إلى الوصول إلى تسوية سياسية توقف القتال وتحافظ على وحدة البلاد ومؤسّساتها.
وتعتزم الجزائر، ضمن برنامجها، تنظيم مهمة ميدانية لمجلس السلم والأمن إلى السودان، للوقوف على تطورات الوضع السياسي والإنساني وتعزيز انخراط المجلس في جهود دعم السلام والاستقرار. وتكتسي هذه المهمة أهمية خاصة، لأنها تنقل تحرّك المجلس من مجرّد تقديم البيانات وعقد الاجتماعات، إلى الاتصال المباشر بالأطراف المعنية ودراسة الظروف الميدانية التي تعرقل التسوية.
وأكّد منصوري أنّ السودان يقدّم مثالا واضحا عن مخاطر التدخّلات الخارجية، بعدما أصبح النزاع الداخلي مرتبطا بدعم وتمويل ومصالح متقاطعة ساهمت في إطالة أمد الحرب، ومن هذا المنطلق، تراهن الجزائر على إعادة منح الاتحاد الإفريقي دورا أكبر في معالجة الأزمة، بالتنسيق مع دول الجوار والمنظمات الإقليمية، ومن دون إقصاء المساعدات الدولية التي تحترم السيادة السودانية والمرجعية الإفريقية.
كذلك، ستخصّص الرئاسة الجزائرية حيّزا لمتابعة الوضع في جنوب السودان، الذي لا يزال يواجه صعوبات مرتبطة بتنفيذ اتفاق السلام واستكمال المرحلة الانتقالية، وقد سبق لمجلس السلم والأمن أن أجرى مهمة ميدانية إلى جوبا بمشاركة ممثلي دوله الخمس عشرة، بما فيها الجزائر، لمتابعة العملية السياسية والتحديات التي تواجه الاستقرار في البلاد.




