خــــبرة دبلوماسيـــــة متراكمــة لحـلّ النزاعــــات في القـــارة السّـــمراء
أكد الخبير في القانون الدولي والشؤون الدبلوماسية، الدكتور حمزة بن علاق، أنّ الجزائر تتصدّر بداية من الفاتح أوت 2026، واجهة الدبلوماسية الأمنية القارية، بتوليها الرئاسة الدورية الشهرية لمجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي، معتبرًا إيّاها عودة لا تخلو من دلالات رمزية عميقة لبلدٍ ظلّ، منذ استقلاله، يقدّم نفسه بوصفه “مكة الثوار”، وسندًا تاريخيًا لحركات التحرّر والشعوب الإفريقية، ومرجعية لمبدأ الحياد الإيجابي، وإرساء الحلول السلمية للنزاعات، وعدم التدخّل في الشؤون الداخلية للدول.
أوضح الدكتور حمزة بن علاق، في تصريح أدلى به لـ«الشعب”، أنّ الجزائر شغلت مقعدًا في هذا المجلس لثلاثة عشر عامًا متواصلة ابتداء من 2008، واليوم تستعيد موقعًا يعدّ امتدادًا طبيعيًا لدورها القاري الحيوي، لا استثناءً عابرًا، بل نظير مكانتها المحورية والأساسية في الفضاء الإفريقي المشترك.
وأبرز بن علاق أنّ الجزائر لم تنتظر طويلاً لبلوغ هدف عضوية مجلس السلم والأمن الإفريقي، ففي 15 أفريل 2025 بأديس أبابا، حصلت على أكثر من ثلثي أصوات الدول الإفريقية لولاية ثلاثية كاملة حتى 2028، في نتيجة واضحة تعكس وزنها الثقيل داخل المنظومة القارية، في ضوء حسم الأمور بأغلبية واضحة لا بفارق صوت واحد.
وبعد هذا المسار، تدخل الجزائر جولتها الثانية من الرئاسة ببرنامج طموح يترجم فلسفتها الدبلوماسية التقليدية العريقة القائمة على “الحلول الإفريقية للمشكلات الإفريقية”، ويتضمّن تنظيم ثلاث مشاورات مؤسّساتية تربط المجلس بالبرلمان الإفريقي واللّجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب ومنصة الحوكمة الإفريقية، إلى جانب اجتماع لتقييم تنفيذ مبادرة “إسكات البنادق في إفريقيا” الرائدة ضمن أجندة 2063، ومراجعة الإطار المرجعي للجنة الفرعية لمكافحة الإرهاب، وتنسيق الجهود مع الدول الأفريقية الثلاث الأعضاء في مجلس الأمن الدولي، وفقًا له.
وتمتد أجندة الحلول انطلاقا من دول الساحل إلى السودان والصومال والكونغو الديمقراطية، وتعبّر عن طموح جزائري تاريخي في تقديم بلد الشهداء كجسر تنسيقي بين الملفات الأمنية المتناثرة في القارة، استنادًا إلى خبرة دبلوماسية متراكمة لا يجاريها فيه كثير من الفاعلين الأفارقة.
وتابع بن علاق: “بخصوص ملف الصّحراء الغربية، فتطرحه بانتظام أطراف مقربة من الرباط كلما اقتربت الجزائر من تولّي منصة قارية بارزة، في محاولة يائسة لتصوير أي حضور جزائري نشط بوصفه توظيفًا سياسيًا للمنصب. والواقع، أنّ الجزائر تنطلق في موقفها من هذا الملف من مرجعية مبدئية ثابتة لا من حسابات ظرفية، تتعلّق بدعم حق الشعوب في تقرير مصيرها ضمن إطار الشرعية الدولية ومسار إنهاء الاستعمار، الذي لم يُستكمل بعد في الصّحراء الغربية وفق تصنيف الأمم المتحدة لها. صحيح أنّ الأمم المتحدة تقود المسار السياسي للتسوية في الصّحراء الغربية عبر مجلس الأمن والمبعوث الشخصي للأمين العام، لكن الاتحاد الإفريقي يواصل من جهته اهتمامه بالقضية ضمن أطره الخاصة، بما يعكس أنّ الموقف الجزائري ليس شذوذًا عن الإجماع القاري بقدر ما هو انسجام مع مرجعية تأسيسية للمنظمة ذاتها”.
وتبدو رئاسة الجزائر لمجلس السلم والأمن الإفريقي أقرب إلى استعادة موقع طبيعي منه إلى مغامرة دبلوماسية جديدة؛ ذلك أنها راكمت عبر عقود رصيدًا في دعم قضايا التحرّر والسيادة والتسوية السلمية للنزاعات، تجد في هذا الترأّس فرصة لترجمة هذا المجهود إلى فعل تنسيقي ملموس، حتى وإن ظلّت الرئاسة الدورية محدودة زمنيًا وصلاحياتيًا، بحكم طبيعة المجلس الذي يعمل بتوافق أعضائه، يقول محدثنا.
المعيار الحقيقي لنجاح هذه المهمّة، بحسب الدكتور حمزة، لن يكون في البيانات وحدها، بل في قدرة الجزائر على البناء على إرثها التاريخي كوسيط مقبول من جميع الفرقاء لإعادة تفعيل قنوات مع جوارها الساحلي، وحلحلة ملف الحرب في السودان، وإنهاء الأزمة في الكونغو الديمقراطية والصومال، وهو رهان يبدو، بالنظر إلى سجلّها السابق الحافل بالانتصارات، في متناولها أكثر ممّا توحي به التوترات الراهنة.
ومن المنتظر أن ترأس الجزائر ابتداءً من الفاتح أوت 2026، مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي، وستكرّس عهدتها تحت إشراف رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، للدفاع عن مبادئ الاتحاد الإفريقي وأهدافه وفي مقدّمتها تعزيز التضامن والعمل الإفريقي المشترك، تحقيق السلم والأمن في القارة، والتسوية السلمية للنزاعات والحروب.


