عقوبــات مشـــدّدة علــى السياقة تحــت تأثــير المخـدرات
احـــــترام قواعــــد الســــير سلــوك حضـاري قبــــل أن يكــون التزامـا قانونيـــا
تُعد السلامة المرورية من أبرز القضايا التي تحظى باهتمام السلطات العمومية في الجزائر، بالنظر إلى ما تخلفه حوادث المرور من خسائر بشرية ومادية واقتصادية، فضلاً عن آثارها الاجتماعية والنفسية العميقة. ورغم التعديلات المتلاحقة التي عرفها الإطار التشريعي لتشديد العقوبات على المخالفات الخطيرة، أثبتت التجربة الميدانية أن القانون، مهما بلغت صرامته، يحقق فعاليته الكاملة عندما يقترن بوعي مجتمعي راسخ وثقافة مرورية تجعل احترام قواعد السير سلوكاً حضارياً قبل أن يكون التزاماً قانونياً.
اعتمد المشرع الجزائري منظومة قانونية متكاملة للحد من حوادث المرور، يتصدرها القانون رقم 26-09 الصادر في ماي 2026، المتضمن قانون المرور، والذي يحدد القواعد المتعلقة بتنظيم حركة المرور عبر الطرق، وضمان سلامتها وأمنها.
وعزز هذا القانون آليات الردع من خلال فرض عقوبات مالية وإدارية وجزائية تتناسب مع خطورة المخالفات، لاسيما الإفراط في السرعة، والسياقة تحت تأثير الكحول أو المخدرات، واستعمال الهاتف النقال أثناء القيادة، وعدم احترام إشارات المرور، وعدم استعمال حزام الأمان أو خوذة الحماية بالنسبة لسائقي الدراجات النارية.
كما أقر إجراءات إدارية تشمل تعليق أو سحب رخصة السياقة في بعض الحالات، إلى جانب اعتماد نظام المخالفات الذي يكرس مبدأ تحميل السائق المسؤولية القانونية عن سلوكه أثناء استعمال الطريق.
معادلـــة لحمايـــة الأرواح
ينطلق التشريع الجزائري من فلسفة تجعل العقوبة وسيلة لحماية المجتمع وردع السلوكيات التي تهدد أمن الطريق، باعتبار أن قيمة الجزاء القانوني تكمن في قدرته على تعديل السلوك والحد من المخاطر.وتقوم هذه الفلسفة على اعتبار أن مخالفة قواعد المرور ليست مجرد تجاوز لنص قانوني، وإنما سلوك قد يعرض حياة مستعملي الطريق للخطر. ومن هذا المنطلق، تستهدف العقوبات حماية الأرواح وترسيخ احترام القانون، بما يسهم في الحد من الحوادث والارتقاء بالسلوك المروري.وفي موازاة ذلك، أولى المشرع أهمية كبيرة للتحسيس والوقاية باعتبارهما ركيزة أساسية لتعزيز السلامة المرورية. ولهذا تعمل مختلف القطاعات، وفي مقدمتها المديرية العامة للأمن الوطني، والدرك الوطني، والمندوبية الوطنية للأمن في الطرق، التي أنشئت بموجب المرسوم التنفيذي رقم 19-303 المؤرخ في 10 نوفمبر 2019، والخاضعة لوصاية وزارة الداخلية والجماعات المحلية والتهيئة العمرانية، بالتنسيق مع قطاع التربية الوطنية والجمعيات المختصة، على تنظيم حملات توعوية دورية تستهدف مختلف فئات المجتمع، خاصة الأطفال والشباب وسائقي المركبات.
وتشمل هذه الحملات تنظيم أيام تحسيسية بالمؤسسات التربوية والجامعات، وتوزيع مطويات توعوية، واستغلال وسائل الإعلام التقليدية والمنصات الرقمية لنشر الرسائل التوعوية، فضلاً عن الحملات الميدانية التي تنظمها مصالح الأمن والدرك خلال المناسبات الوطنية والعطل والمواسم التي تشهد كثافة في حركة المرور.
صمــــــام أمـان
تؤكد التجارب الدولية أن التحسيس يمثل ركناً أساسياً في منظومة السلامة المرورية، لأن العقوبة تردع المخالفة، بينما يغرس الوعي احترام القانون عن اقتناع. ويظهر ذلك في الفرق بين سائق يلتزم بالسرعة القانونية خشية الغرامة، وآخر يحترمها إدراكاً لما قد تسببه السرعة المفرطة من مآسٍ قد تودي بحياته أو بحياة غيره في لحظات.
ومن هنا تبرز الثقافة المرورية باعتبارها منظومة متكاملة من القيم والسلوكيات والمعارف التي تجعل الطريق فضاءً للتعايش والاحترام المتبادل بين جميع مستعمليه. وهي ثقافة تبدأ داخل الأسرة، وتتواصل في المدرسة، وتتكرس عبر وسائل الإعلام، وتتعزز بالقدوة الحسنة والممارسة اليومية.ويُعد احترام ممرات الراجلين، ومنح الأولوية لمستحقيها، والامتناع عن استعمال الهاتف أثناء القيادة، وربط حزام الأمان، والالتزام بالسرعة القانونية، من أبرز مظاهر الثقافة المرورية التي تعكس مستوى الوعي والرقي الحضاري للمجتمع.
هــل يكفــي القانــون للحــدّ من إرهاب الطرقات؟
يشكل القانون الإطار المنظم للسلوك، والمحدد للحقوق والواجبات والعقوبات، فيما يتطلب ترسيخ السلوك المدني بناء قناعات راسخة لدى مستعملي الطريق. فالالتزام الدائم بقواعد المرور يتحقق عندما تتحول هذه القواعد إلى ثقافة عامة يمارسها المواطن عن وعي ومسؤولية.
وقد أثبتت تجارب العديد من الدول التي نجحت في خفض معدلات حوادث المرور أن النتائج الإيجابية جاءت ثمرة منظومة متكاملة جمعت بين تشديد العقوبات، والاستثمار المستمر في التربية المرورية، والتكوين، والتوعية، وتحسين البنية التحتية، وتطوير وسائل المراقبة، وإشراك المجتمع المدني ووسائل الإعلام في نشر ثقافة احترام الطريق.
وفي الجزائر، يمر بناء ثقافة مرورية مستدامة عبر تعزيز التربية المرورية داخل المؤسسات التعليمية، وإدراج مفاهيم السلامة المرورية ضمن البرامج التربوية، وتكثيف الحملات التحسيسية الموجهة للشباب، وتوظيف التقنيات الحديثة في الرقابة، إلى جانب تحسين نوعية الطرق والإشارات المرورية، باعتبار أن الحد من الحوادث مسؤولية جماعية تتقاسمها الدولة والمواطن.
ولأن الطريق فضاء لحماية الحق في الحياة قبل أن تكون وسيلة للتنقل، فإن تحقيق الأمن المروري يظل رهين معادلة متوازنة تجمع بين قانون صارم يردع المخالفين، وتحسيس مستمر يعزز الوعي، وثقافة مرورية تجعل احترام قواعد السير ممارسة يومية راسخة. وعندما تتكامل هذه العناصر، تتحول السلامة المرورية إلى ثقافة مجتمعية راسخة وأسلوب حياة ينعكس في السلوك اليومي لمستعملي الطريق، فيصبح احترام قانون المرور نابعاً من الإحساس بالمسؤولية والوعي بقيمة الحياة، وليس مجرد استجابة للعقوبات أو الخوف من المخالفات. وعندها تتعزز الثقة بين مختلف مستعملي الطريق، ويترسخ مبدأ الاحترام المتبادل، بما يسهم في توفير بيئة مرورية أكثر أمناً وانضباطاً.
كما ينعكس هذا الوعي الجماعي في التراجع التدريجي لمعدلات الحوادث والخسائر البشرية والمادية، ويحافظ المجتمع على أثمن ثرواته، وهي الإنسان. فكل روح تُنقذ، وكل حادث يُتجنب، يمثلان مكسباً للوطن وللتنمية، ويؤكدان أن الاستثمار في التربية المرورية والتحسيس والوقاية يوازي في أهميته تطوير البنية التحتية وتشديد القوانين، باعتبار أن الأمن المروري مسؤولية وطنية يشترك الجميع في تحقيقها.




