الاستقـرار الأمنـــي ركيــــزة لجذب الاستثمـار وإنجـــاح البرامـــج التنمويــة
مساهمة هامــة وفعّالــة فـــي رفــع تنافسيـــة المؤسّســـات الوطنيــــة
دور محـــوري في حمايــة الموانـــئ والطاقــــة والمنشـــآت الصناعيــة وشبكات الاتصـــــال
في الرابع من أوت 1962، تحوّل جيش التحرير الوطني إلى الجيش الوطني الشعبي، ليواصل أداء رسالته في حماية السيادة الوطنية بعد أن أسهم في استرجاعها وصنع الاستقلال، وعلى امتداد أكثر من ستة عقود، تطوّرت مهام المؤسّسة العسكرية بما يواكب متطلّبات الدولة، فأصبحت، إلى جانب الدفاع عن الوطن وصون وحدته الترابية، تُسهم في توفير البيئة الأمنية التي تستند إليها مسيرة التنمية الاقتصادية وإنجاز المشاريع الاستراتيجية.
تكتسي هذه الذكرى بعداً وطنياً خاصاً، إذ تحتفي الجزائر باليوم الوطني للجيش الشعبي الوطني، وهو الموعد الذي أقرّه رئيس الجمهورية مناسبة وطنية تخليداً لتحويل جيش التحرير الوطني إلى الجيش الوطني الشعبي، وتقديراً للدور الذي تؤديه المؤسّسة العسكرية في حماية الوطن وصون مقدراته.
وفي هذا السياق، أكّد الخبير الاقتصادي الدكتور هواري تيغرسي، في تصريح لـ»الشعب»، أنّ المؤسسة العسكرية أصبحت أحد المرتكزات الأساسية للأمن الوطني والأمن الاستثماري، باعتبارهما عنصرين حاسمين في بناء اقتصاد قوي وتعزيز السيادة الاقتصادية.
وأوضح أنّ اليوم الوطني للجيش يتجاوز بعده التاريخي والعسكري، ليعكس مسار مؤسّسة وطنية رافقت مختلف مراحل بناء الدولة، وتطوّرت أدوارها بما يتلاءم مع التحوّلات الاقتصادية والاستراتيجية، من خلال حماية السيادة، وتأمين الاستقرار، وصون المقدرات الوطنية، مضيفا أنّ معايير قوة الجيوش لم تعد تقتصر على حجم العتاد أو عدد الأفراد، بل أصبحت تقاس أيضاً بقدرتها على حماية الاقتصاد الوطني، وتأمين المشاريع الاستراتيجية، وتوفير بيئة مستقرّة تعزّز ثقة المستثمرين، وهو ما يجعل الجيش الوطني الشعبي أحد أهم عوامل نجاح مسار تنويع الاقتصاد.
وشدّد تيغرسي على أنّ الدراسات الاقتصادية تؤكّد ارتباط تدفّقات الاستثمار الأجنبي المباشر بمستوى المخاطر السيادية، إذ يضع المستثمر في مقدمة حساباته مؤشّرات الأمن والاستقرار وجودة المؤسّسات وحماية الأصول واستمرارية النشاط الاقتصادي وسلامة سلاسل الإمداد، مشيرا إلى أنّ الأمن أصبح عاملاً إنتاجياً يرفع تنافسية الدول ويخفض تكلفة الاستثمار، لأنّ الاقتصاد يحتاج إلى بيئة مستقرّة تضمن استدامة المشاريع وتعزّز الثقة في السوق.
وأضاف محدثنا، أنّ الجزائر رغم امتداد حدودها البرية لأكثر من 7400 كيلومتر مع سبع دول، بعضها يقع ضمن فضاء الساحل الذي يشهد تحديات أمنية متزايدة، نجحت في الحفاظ على استقرارها، وهو ما وفّر الظروف الملائمة لإنجاز مشاريع استراتيجية كبرى، على غرار مشروع غارا جبيلات للحديد، ومشروع بلاد الحدبة للفوسفات، وخطي السّكك الحديدية المنجميّين الشرقي والغربي، إلى جانب مشاريع الطاقة المتجدّدة والمناطق الصناعية والبنى اللوجستية.
الصناعات العسكرية.. رافد للتنمية الصناعية
أكّد تيغرسي أنّ نجاح هذه المشاريع لم يرتبط بالتمويل وحده، وإنما استند أيضاً إلى وجود مؤسّسة عسكرية محترفة تؤمّن المنشآت الاستراتيجية، وتحمي الحدود، وتوفّر الظروف اللازمة لاستمرار النشاط الاقتصادي، وأوضح أنّ مفهوم الأمن القومي أصبح يشمل، إلى جانب حماية الحدود، الأمن الاقتصادي والغذائي والطاقوي والسيبراني، وأمن البنية التحتية والبيانات، وهو ما يجعل المؤسّسة العسكرية تؤدي دوراً محورياً في حماية الموانئ، وخطوط الطاقة، والمنشآت الصناعية، وشبكات الاتصال، بما يضمن استقرار الاستثمار والإنتاج والتصدير.
وتناول تيغرسي التحولات التي شهدتها الصناعات العسكرية الجزائرية خلال السنوات الأخيرة، مؤكّداً أنها أصبحت رافداً مهماً للتنمية الصناعية، بعد أن تجاوز دورها تلبية الاحتياجات الدفاعية إلى دعم الاقتصاد الوطني. وأوضح أنّ الاستثمار في الصناعات العسكرية يحقّق أهدافاً استراتيجية متعدّدة، من بينها تقليص الواردات، ونقل التكنولوجيا، ورفع نسبة الإدماج الصناعي، وخلق مناصب شغل نوعية، فضلاً عن دعم المؤسّسات الصغيرة والمتوسطة عبر المناولة، وتكوين الكفاءات الهندسية والتقنية في تخصّصات دقيقة.
وأضاف المتحدث أنّ هذه الصناعات أسهمت كذلك في تطوير نشاطات مدنية مرتبطة بالميكانيك والإلكترونيات والرقمنة، مستشهداً بتجارب دول مثل كوريا الجنوبية وتركيا، حيث شكّلت الصناعات الدفاعية قاعدة لانطلاق صناعات مدنية متطورة عزّزت الابتكار والصادرات، مشيرا إلى أنّ الجزائر تمكّنت خلال السنوات الأخيرة من إطلاق مشاريع استراتيجية كبرى في قطاعات المناجم والطاقة والبنية التحتية والصناعة، في إطار رؤية تستهدف تنويع الاقتصاد، ورفع الصادرات خارج المحروقات، وتعزيز مساهمة الصناعة في الناتج المحلي الإجمالي.
ولفت تيغرسي إلى أنّ الإصلاحات التي باشرتها الدولة، وفي مقدمتها رقمنة الإدارة، وتحسين مناخ الاستثمار، وتطوير المناطق الصناعية، عزّزت جاذبية الاقتصاد الوطني، بينما يظل الاستقرار العامل الأكثر تأثيراً في قرارات المستثمرين.
الأمن والتنمية… معادلة المرحلة المقبلة
يرى تيغرسي أنّ المرحلة المقبلة تستوجب تعميق التكامل بين الأمن والتنمية، وتوسيع الصناعات العسكرية ذات الاستخدامين العسكري والمدني، وتعزيز البحث العلمي والابتكار، وتطوير منظومات الأمن السيبراني لحماية الاقتصاد الرّقمي وسلاسل الإمداد والمشاريع الاستراتيجية، مؤكّدا أنّ المؤسّسة العسكرية أسهمت في ترسيخ الأمن القانوني والسياسي والاقتصادي، بما يدعم نقل التكنولوجيا وتعزيز الشراكات الصناعية، موضّحاً أنّ المستثمر يبحث عن بيئة مستقرّة ودولة قادرة على حماية استثماراته وضمان استمرارية نشاطه.
وأكّد تيغرسي أنّ الرابع من أوت يجسّد مسيرة مؤسّسة عسكرية تطورت أدوارها بتطور احتياجات الدولة، فبعد أن ارتبطت بملحمة التحرير، أصبحت اليوم ركيزة لحماية الاستقرار الوطني وتأمين المشاريع الاستراتيجية ومرافقة التنمية الاقتصادية، بما يعزّز مسار الجزائر نحو اقتصاد متنوّع، تنافسي، وسيّد في قراره، مع تطلّعها إلى الالتحاق بمصاف الاقتصاديات الناشئة في أفق 2027.



