منــــع تحوّل مجموعــات العنــف المحـدودة إلى شبكـــات منظمــة
أكد رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون في العديد من المرات أن الدولة ستواصل مواجهة عصابات الأحياء، مع إبقاء مصالح الأمن مجندة بمختلف إمكاناتها للتصدي لهذه الظاهرة الخطيرة، ويعكس هذا الموقف توجها يقوم على التدخل المبكر عند ظهور ممارسات تهدد أمن المواطنين أو ممتلكاتهم أو السكينة داخل الأحياء، وعدم انتظار توسعها وتحولها إلى شبكات إجرامية أكثر تنظيما وخطورة.
منذ سنة 2020، عملت الدولة على تكريس ما يمكن وصفه باليقظة القانونية، من خلال رصد التحولات التي يشهدها المجتمع وتحيين التشريعات بحسب طبيعة المخاطر الجديدة. ولا يقتصر هذا التوجه على عصابات الأحياء، بل يشمل مختلف الأفعال التي يمكن أن تمس بتماسك المجتمع أو الاقتصاد الوطني أو مؤسسات الدولة.
وفي هذا الإطار، صدر الأمر رقم 20-03 المؤرخ في 30 أوت 2020 والمتعلق بالوقاية من عصابات الأحياء ومكافحتها، ضمن مقاربة جمعت بين التدخل الأمني، والمتابعة القضائية، والوقاية الاجتماعية. وقد جاء هذا النص بعد ظهور مجموعات تستعمل العنف والأسلحة البيضاء لفرض السيطرة داخل بعض الأحياء، وترويع السكان، والاعتداء على الأشخاص والممتلكات.
ووسع المشرع الجزائري مفهوم عصابة الأحياء حتى يشمل كل مجموعة، مهما كانت تسميتها، تتكون من شخصين أو أكثر ينتمون إلى حي سكني واحد أو عدة أحياء، وترتكب أفعالا تستهدف خلق جو من انعدام الأمن أو فرض السيطرة، عن طريق الاعتداء الجسدي أو المعنوي أو تهديد حياة الأشخاص وحرياتهم وأمنهم وممتلكاتهم، مع حمل أو استعمال أسلحة بيضاء ظاهرة أو مخفية.
ويمنع هذا التعريف الواسع حصر الجريمة في العصابات الكبيرة أو ذات التنظيم المعقد، إذ يمكن لمجموعة صغيرة أن تتحول إلى مصدر تهديد فعلي للسكان متى استعملت العنف والترهيب لفرض وجودها داخل حي أو فضاء عمومي. كما يسمح النص القانوني بالتدخل قبل أن تتطور هذه المجموعات إلى شبكات مرتبطة بالمخدرات أو السرقة أو الابتزاز أو غيرها من أشكال الجريمة المنظمة.
ويكتسب الأمن داخل الأحياء أهمية خاصة بالنسبة للجزائر، بالنظر إلى التضحيات التي قدمها الشعب ومؤسسات الدولة لاستعادة الأمن والاستقرار خلال سنوات التسعينات، ولذلك لا يمكن التعامل مع ترويع المواطنين أو السيطرة على الفضاءات العامة باعتباره مجرد اضطراب محلي، لأنه يمس مباشرة شعور الفرد بالأمان وثقته في مؤسسات الدولة.
الوقاية قبل العقاب
رغم أهمية العقوبات والمتابعة القضائية، فإن الأمر رقم 20-03 لم يبنِ مكافحة عصابات الأحياء على الردع وحده، فقد وضع إطارا وقائيا يقوم على الكشف المبكر عن مصادر الخطر، والتنسيق بين القطاعات، ومعالجة الظروف الاجتماعية التي تساعد على انتشار العنف، إلى جانب إشراك المواطنين والجمعيات في حماية الأحياء.
وفي سياق متصل، شرعت وزارة الداخلية في إعداد وتنفيذ استراتيجية وطنية للوقاية من عصابات الأحياء ومكافحتها للفترة 2026-2029، تجمع بين الردع والوقاية، وتهدف إلى تعزيز السكينة العمومية وحماية الأشخاص والممتلكات. كما تم تنصيب اللجنة الوطنية المختصة للفترة نفسها، بما يسمح بمتابعة الظاهرة ضمن عمل منظم ومستمر، بدلا من الاكتفاء بحملات ظرفية مرتبطة بوقوع حوادث محددة.
ويقوم الكشف المبكر على الدور الذي تؤديه مصالح الشرطة والدرك الوطني وبقية الأجهزة الأمنية في رصد تحركات المجموعات الإجرامية، ومتابعة تداول الأسلحة البيضاء، والتدخل عند ظهور مؤشرات على تنظيم اعتداءات أو نزاعات جماعية. وقد سمحت هذه الجاهزية بتفكيك مجموعات وحجز أسلحة تستعمل في الاعتداءات، على غرار العملية التي نفذتها وحدات الدرك الوطني في العديد من الولايات خلال جويلية 2026، وأسفرت عن توقيف العديد من الأشخاص وحجز أسلحة بيضاء.
كذلك، منح القانون للمجتمع المدني دورا مباشرا، إذ يمكن للجمعيات الوطنية الناشطة في مجال حقوق الإنسان وجمعيات الأحياء إيداع شكاوى أمام الجهات القضائية والتأسس كطرف مدني في الجرائم المنصوص عليها في الأمر. ويسمح هذا الإجراء بتحويل جمعيات الأحياء من مجرد هياكل اجتماعية إلى طرف يساهم في رصد التجاوزات والدفاع عن أمن السكان.
بالإضافة إلى ذلك، يبقى التبليغ عن الأنشطة المشبوهة عنصرا أساسيا في إنجاح المقاربة الوقائية، خاصة أن بعض الجرائم تبدأ بممارسات تبدو محدودة، مثل حمل الأسلحة البيضاء أو تهديد السكان أو فرض الإتاوات، ثم تتوسع عند غياب التبليغ والتدخل. ولهذا أقر التشريع ضمانات لحماية الشهود والمبلغين، بما يشجع المواطنين على التعاون مع المصالح المختصة دون تعريض أنفسهم أو أفراد عائلاتهم للخطر.
وبالتالي فإن مواجهة عصابات الأحياء لا تعني الاعتماد على العقوبات وحدها كما أنه لا يمكن أن تختزل في الجانب الاجتماعي فقط. المطلوب هو استمرار التنسيق بين الأمن والعدالة والجماعات المحلية والمدرسة والأسرة والجمعيات، مع تطبيق القانون بسرعة وصرامة، وتسمح هذه المقاربة الشاملة للدولة بحماية الأحياء، ومنع تحول مجموعات العنف المحدودة إلى شبكات منظمة تهدد أمن المجتمع واستقراره.

