الصناعة الثقيلة رافعة تنموية.. تكامل بين التعدين والتحويل اللوجستي
السّكة الحديدية تضع خام غارا جبيلات في خدمة التصنيع..
لم تعد التحوّلات التي يشهدها قطاع الحديد والصلب في الجزائر مجرّد مشاريع تنتظر التجسيد، فقد بدأت ملامح منظومة صناعية جديدة تتشكّل على أرض الواقع، حلقة بعد أخرى، من غارا جبيلات في أقصى الجنوب الغربي، إلى مركّبات الإنتاج والتحويل في الشمال.
بين استغلال خام الحديد، ومدّ خطوط السّكك الحديدية لنقله، وإطلاق وحدات جديدة لإنتاج منتجات الصلب ذات القيمة المضافة، بالتوازي مع إعادة تأهيل القواعد الصناعية القائمة، تتقدّم الجزائر نحو بناء صناعة حديد وصلب أكثر تكاملا، لا تكتفي بتوفير المادة الأولية للسوق الوطنية، وإنما تتطلّع إلى اقتحام الأسواق الخارجية بمنتجات مصنّعة وشبه مصنّعة.
ويأتي هذا التحول في ظرف يشهد القطاع مستجدات متسارعة، حيث أطلقت شركة توسيالي الجزائر، الأسبوع الماضي، أول عملية إنتاج بمجمّع الدرفلة على البارد في بطيوة بوهران، ضمن المرحلة الرابعة من استثماراتها، مسجّلة إنتاج أول لفافة من الفولاذ المخلل والمزيت، وهو منتج وسيط يدخل في إنتاج لفائف الفولاذ المدرفل على البارد.
ويغطي المجمع مساحة 500 ألف متر مربع، بطاقة إنتاجية سنوية تصل إلى 1.8 مليون طن، في خطوة تعكس توسّع الجزائر في تصنيع منتجات فولاذية ذات استخدامات صناعية متعدّدة، لاسيما في قطاعات السيارات والأجهزة الكهرومنزلية والبناء والطاقة والصناعات التحويلية.
وتكمن أهمية هذا التطور في انتقال صناعة الحديد تدريجيا من إنتاج المواد الأساسية إلى منتجات أكثر تخصّصا وقيمة مضافة، بما يساهم في تقليص فاتورة الواردات، وتوسيع قاعدة الإنتاج المحلي، ورفع قدرة المؤسّسات الجزائرية على المنافسة في الأسواق الخارجية.
غارا جبيلات.. قاعدة لسلسلة صناعية
بالموازاة مع ذلك، يتقدّم استغلال منجم غارا جبيلات الذي يمثل قاعدة المادة الأولية لهذه الديناميكية الصناعية، من مرحلة المشروع إلى التجسيد الفعلي، وقد أصبح الربط بين المنجم ومناطق التصنيع واقعا عمليا مع الانطلاق الرّسمي لاستغلال الخط المنجمي الغربي غارا جبيلات – تندوف – بشار، ووصول أولى شحنات خام الحديد المستخرجة من المنجم إلى مركب الحديد والصلب «توسيالي» ببطيوة في وهران، في فيفري الماضي، إيذانا ببدء ربط الثروة المنجمية بالإنتاج الصناعي والتحويل المحلي.
وبذلك، بدأ الخام يدخل فعليا في دورة الإنتاج والتصنيع الوطنية، فيما تكتسب مرحلة المعالجة أهمية خاصة ضمن هذه السلسلة، إذ يجري العمل على إنجاز مصنع للمعالجة الأولية لخام غارا جبيلات بمركب توسيالي، بطاقة تصل إلى أربعة ملايين طن سنويا، ويعكس ذلك توجّها نحو تثمين الثروة المنجمية وتحويلها محليا، بدل الاكتفاء باستخراج الخام، بما يسمح بإدماجه في مراحل صناعية لاحقة ورفع القيمة الاقتصادية للمنتج الجزائري.
الحجـــــــــــار.. إعــــــــــــادة التأهيــــــــــل
في عنابة، عاد مركّب الحجار إلى صدارة المشهد الصناعي من بوابة إعادة التأهيل والعصرنة، فقد أكّد وزير الصناعة، يحيى بشير، خلال زيارته للولاية الخميس الماضي، أنّ إعادة بعث المركب وعصرنته تمثل «أولوية استراتيجية»، باعتباره ركيزة أساسية للصناعة الثقيلة.
ويكشف تقييم وضعية المركب أنّ الجزائر تراهن، إلى جانب إطلاق المشاريع الجديدة، على إعادة تأهيل القاعدة الصناعية القائمة واستعادة كفاءتها الإنتاجية. فقد أشار الوزير إلى امتلاك الحجار قاعدة صناعية وإمكانات مهمة، مع بلوغ جزء من تجهيزاته نهاية عمره الافتراضي، الأمر الذي يستدعي برنامجا عاجلا للتحديث واستبدال بعض المعدات.
وتقوم عملية التأهيل، وفق التصور المعلن، على أربعة محاور رئيسية، تتعلّق بتحديث وسائل الإنتاج بأحدث التقنيات، وتحقيق الإدماج الكامل لسلسلة القيمة، وتعزيز الشراكات الصناعية الدولية، وخلق قيمة مضافة ومناصب شغل جديدة، وتبرز هنا أهمية الحجار ضمن المنظومة الصناعية الجديدة، إذ إنّ بناء صناعة تنافسية لا يرتبط بإقامة وحدات إنتاجية جديدة فقط، وإنما يستند أيضا إلى استعادة كفاءة المنشآت التاريخية وتحديثها وإدماجها ضمن السلسلة الصناعية الوطنية.
منظومــــــــة تتكامـــــــــــل حلقاتهـــــــــــا
تتزامن اليوم عمليتان متوازيتان.. إطلاق قدرات إنتاجية جديدة في توسيالي، وإعادة تأهيل قدرات صناعية تاريخية في الحجار، بينما يوفّر غارا جبيلات قاعدة منجمية ضخمة، وتتولى شبكة النقل ربط الجنوب بمراكز التصنيع في الشمال، وبين هذه الحلقات، يواصل مركّب بلارة بجيجل أداء دوره في منظومة الإنتاج الوطنية.
وتكمن أهمية هذه التطورات في أنها ترسم صورة أكثر وضوحا لسلسلة قيمة تبدأ من المنجم ولا تنتهي عند إنتاج الحديد الخام أو المنتجات نصف المصنّعة، وإنما تمتد إلى منتجات موجّهة للصناعات التحويلية والأسواق الخارجية.
وتتجسّد المعادلة الاقتصادية في تحويل الثروة المنجمية إلى صناعة، والصناعة إلى قيمة مضافة، والقيمة المضافة إلى صادرات وفرص عمل ونمو اقتصادي.
ومن غارا جبيلات إلى توسيالي والحجار وبلارة، تكون الجزائر أمام فرصة لإعادة تموقعها في صناعة الحديد والصلب إقليميا، مستفيدة من توفر المادة الأولية، وتوسّع قدرات الإنتاج والتحويل، وتطور شبكات النقل والمنشآت الصناعية، علما أنّ نجاح هذا المسار مرتبط بجميع حلقات السلسلة، ورفع الإنتاجية، وتطوير التكنولوجيا، وضمان تنافسية المنتجات، وإدماج المؤسّسات الوطنية في عمليات المناولة والتحويل؛ فالاحتياطي المنجمي الكبير يوفّر نقطة الانطلاق، فيما تتحدّد القوة الصناعية الحقيقية بتحويل خامها إلى منتجات تنافسية تحمل قيمة مضافة وتجد طريقها إلى السوق الوطنية والأسواق الخارجية.
مـــــن الاستـــــــيراد إلى صناعــــــة القيمـــــــة
يتجاوز الهدف الاقتصادي لهذه المشاريع مجرّد تقليص الاعتماد على الواردات من منتجات الحديد والصلب، إذ يتيح امتلاك المادة الأولية محليا وتوسيع قدرات التحويل تطوير صناعات أخرى تعتمد على الفولاذ، وبالتالي توسيع دائرة القيمة المضافة داخل الاقتصاد الوطني.
وتبرز – في هذا السياق – الصناعات الميكانيكية، والكهرومنزلية، والطاقة والبناء، التي تحتاج إلى منتجات فولاذية بمواصفات مختلفة، وكلما ارتفعت قدرة الجزائر على توفير هذه المنتجات محليا، اتّسعت إمكانية تطوير شبكة من المؤسّسات الصغيرة والمتوسطة والمناولة الصناعية المرتبطة بها، كما يفتح ارتفاع الإنتاج آفاقا جديدة أمام التصدير.
وقد سجّل قطاع الحديد والصلب خلال السنوات الأخيرة، حضورا متزايدا ضمن الصادرات خارج المحروقات، فيما أعلن مركب توسيالي في أكتوبر 2025 طموحه لتحقيق عائدات تصدير بقيمة مليار دولار.
ولا يتعلّق الرهان بتصدير الحديد الخام فقط، وإنما بالانتقال تدريجيا إلى تصدير منتجات مصنّعة وشبه مصنّعة، بما يرفع القيمة الاقتصادية للصادرات ويعزّز قدرة الجزائر على المنافسة في الأسواق الإفريقية والأوروبية.
الصناعة الثقيلة.. أثر اقتصادي أوسع
يمتد الأثر الاقتصادي لهذه المنظومة إلى ما هو أبعد من قطاع الحديد والصلب، فالاستثمارات المنجمية والسّككية والصناعية تستدعي خدمات هندسية وتقنية ولوجستية، وتوفّر فرصا للمؤسّسات الوطنية في مجالات الصيانة والمناولة والنقل والتجهيز والتكوين، كما أنّ تطوير النشاط المنجمي في الجنوب الغربي وربطه بمناطق التصنيع في الشمال، يمنح ولايات العبور والمناطق الجنوبية فرصا جديدة للاستثمار والتنمية، ويجعل البنية التحتية المنجزة جزءا من سياسة أوسع لفكّ العزلة الاقتصادية عن مناطق الثروة وربطها بمراكز النشاط الصناعي.وتعكس هذه الرؤية التوجّه نحو رفع مساهمة الصناعة في الاقتصاد الوطني، وتعزيز الإنتاج المحلي، وتقليص التبعية للواردات، واستحداث قيمة مضافة ومناصب شغل.
ومن هذا المنطلق، يصبح الحديد والصلب أكثر من مجرّد قطاع إنتاجي، فهو قاعدة للصناعة الثقيلة ومصدر لتغذية قطاعات صناعية أخرى، ومحرّك لسلسلة واسعة من الأنشطة المرتبطة بالتعدين والنقل والتحويل والمناولة والخدمات.
ومع استكمال مشاريع غارا جبيلات، وتطوير شبكة النقل، وتوسيع قدرات توسيالي وبلارة، وإعادة تأهيل الحجار، تبدو الجزائر أمام فرصة تاريخية لبناء منظومة متكاملة لصناعة الحديد والصلب، قادرة على تغطية جانب معتبر من احتياجات السوق الوطنية، وتوسيع صادرات المنتجات ذات القيمة المضافة، وتعزيز موقع البلاد ضمن الخريطة الصناعية للمنطقة.




