منـع تحــول المناطـــــق الحدوديـــة إلى مســــــارات للجريمـــة المنظمــــــة
تعكس الحصيلة العملياتية التي تضمنها العدد الأخير من مجلة «الجيش»، اتساع طبيعة المهام التي يضطلع بها الجيش الوطني الشعبي، في ظل التحولات المتسارعة التي تعرفها البيئة الأمنية وتعدد مصادر التهديد.
إلى جانب مهمته الأساسية في الدفاع عن السيادة الوطنية وحماية الحدود والتصدي لأي عدوان خارجي، تبرز بصورة متزايدة مهام مرتبطة بمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة وتهريب المخدرات والهجرة غير الشرعية، فضلا عن التدخل في مواجهة الكوارث الكبرى والحرائق التي تمس مناطق واسعة من الوطن.
ويأتي هذا التطور في طبيعة المهام نتيجة التحول الذي طرأ على مفهوم الأمن نفسه، الذي لم يعد مرتبطا حصرا بالمخاطر العسكرية التقليدية. فالدول تواجه اليوم ما تصفه الأدبيات الأمنية بالتهديدات غير التقليدية أو اللاتماثلية، وهي مخاطر لا تتخذ بالضرورة شكل مواجهة عسكرية مباشرة، لكنها قادرة على التأثير في أمن الدولة واستقرار المجتمع واقتصاده، على غرار الإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للحدود وشبكات المخدرات والتهريب، إلى جانب المخاطر المرتبطة بالكوارث الطبيعية والتغيرات المناخية.
وتكشف الحصيلة العملياتية المنشورة في مجلة «الجيش» لشهر جويلية 2026، عن استمرار النشاط الميداني في هذا الاتجاه، ففي مجال مكافحة الإرهاب، تم القضاء على إرهابيين اثنين واستسلام ثلاثة آخرين، إلى جانب توقيف 26 عنصرا من عناصر دعم الجماعات الإرهابية واسترجاع خمسة أسلحة. وتأتي هذه الأرقام في سياق عمليات متواصلة ينفذها الجيش الوطني الشعبي لملاحقة بقايا الجماعات الإرهابية وتفكيك شبكات دعمها، بالتوازي مع الحصائل الدورية التي تنشرها وزارة الدفاع الوطني حول العمليات المنفذة عبر مختلف النواحي العسكرية في إطار مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة.
الأمــــن يتجــــاوز حمايـــــة الحـــدود
وبخصوص مكافحة الجريمة المنظمة، تظهر الحصيلة حجم التحديات التي تواجهها وحدات الجيش الوطني الشعبي المنتشرة، خاصة على الحدود الجنوبية للوطن والمناطق التي تستغلها شبكات التهريب، فقد تم توقيف 1526 شخصا في إطار مكافحة التهريب، واسترجاع 76 سلاحا ناريا، وحجز 99 ألفا و268 لترا من الوقود، فضلا عن 440 مطرقة ضغط و919 مولدا كهربائيا و12 جهازا للكشف عن المعادن و90 مركبة. كما تم توقيف 2035 مهاجرا غير شرعي من جنسيات مختلفة.
وتبرز هذه الأرقام أن حماية الحدود لم تعد مرتبطة بالأمن التقليدي وحده، وإنما تشمل أيضا منع تحول المناطق الحدودية إلى مسارات للجريمة المنظمة، فتهريب الوقود والتنقيب غير الشرعي عن الذهب والمعادن والاتجار بالبشر والأسلحة، تشكل أنشطة مترابطة في كثير من الحالات، ويمكن أن توفر موارد مالية لشبكات إجرامية عابرة للحدود، خصوصا في بيئة إقليمية تتسم بعدم الاستقرار في عدد من دول الساحل.
وفي السياق ذاته، تبرز مكافحة المخدرات باعتبارها أحد أبرز أوجه مواجهة التهديدات غير التقليدية. وتشير حصيلة جويلية إلى توقيف 144 تاجر مخدرات وحجز 25.25 قنطارا من الكيف المعالج و192.27 كيلوغراما من الكوكايين، إلى جانب أكثر من 2.57 مليون قرص مهلوس.
ولا تتوقف خطورة هذه الشبكات عند بعدها الإجرامي، إذ يتحول انتشار المخدرات والمؤثرات العقلية إلى مسألة تمس الأمن المجتمعي، بالنظر إلى انعكاساته على فئة الشباب والجريمة والصحة العامة. ومن هذا المنظور، يمثل اعتراض هذه الشحنات قبل وصولها إلى السوق الداخلية جزءا من العمل الوقائي الرامي إلى حماية المجتمع والحد من مصادر الخطر.
حضــــــور ميداني في مواجهـــــــة الكـوارث
وبالتوازي مع هذه المهام، أبرز العدد الأخير من مجلة «الجيش» جانبا آخر من تدخل المؤسسة العسكرية، من خلال مساهمتها في إخماد موجة الحرائق التي شهدتها عدة ولايات خلال شهر جويلية، فقد سخرت الوحدات العسكرية إمكاناتها البشرية واللوجستية والجوية، إلى جانب مصالح الحماية المدنية ومديرية الغابات، حيث ساهمت طائرات الإطفاء والمروحيات والوحدات الميدانية في احتواء النيران بالمناطق التي سجلت أوضاعا صعبة.وتكتسب هذه التدخلات أهمية متزايدة في ظل تنامي آثار التغيرات المناخية وارتفاع درجات الحرارة وتكرار موجات الحر، وهي عوامل ترفع احتمالات اندلاع الحرائق وسرعة انتشارها. كما تكتسب المعالجة الأمنية بعدا إضافيا عندما تتوفر معطيات حول الاشتباه في إشعال متعمد لبعض الحرائق، إذ تنتقل القضية من التعامل مع كارثة بيئية إلى مواجهة فعل إجرامي قد يستهدف الممتلكات والاقتصاد الوطني والأمن المجتمعي.وتكشف هذه المعطيات عن توسع عملي في مفهوم الدفاع الوطني بالتوازي مع تغير طبيعة المخاطر، فالجيش الوطني الشعبي يحتفظ بوظيفته الأساسية في حماية السيادة والوحدة الترابية، ويؤدي في الوقت ذاته أدوارا ضمن منظومة وطنية متكاملة لمواجهة تهديدات تتقاطع فيها الأبعاد العسكرية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية.



