تجـاوز آثـــار المرحلــــة السابقــة وتعزيــز روابـط الأخوة والاحترام
تقويـة التنسيــــق بشـــأن مكافحة الإرهـاب والوضـع في الساحــل
تحمل الدعوة الرسمية التي وجهها الوزير الأول الجزائري سيفي غريب إلى نظيره المالي عبد الله مايغا، بتكليف من رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، إشارة سياسية مهمة لرغبة الجزائر وباماكو في تجاوز مرحلة سابقة، وفتح صفحة جديدة في العلاقات الثنائية، باعتبار أن البلدين متجاورين، وأمنهما متداخل، واستقرارهما مرتبط إلى حد كبير باستقرار منطقة الساحل.
يؤكد الاتصال الهاتفي بين الوزير الأول سيفي غريب، ونظيره المالي عبد الله مايغا، وفق بيان الوزارة الأولى الجزائرية، تمسك البلدين بـ»علاقات الأخوة والتضامن وحسن الجوار» التي تجمع الشعبين، إلى جانب التعبير عن إرادة مشتركة لإضفاء ديناميكية جديدة على العلاقات الثنائية وإعادة بعث التعاون في مختلف المجالات، بما يعيد العلاقة إلى سياقها الطبيعي في كنف الحوار وإعادة بناء الثقة.
وبالنسبة للتوقيت، فإن توجيه دعوة للوزير الأول المالي لزيارة الجزائر، تأتي في ظرف جيوسياسي وأمني خاص تشهده منطقة الساحل، لا سيما مالي التي تمثل إحدى الدول الأكثر تأثيرا في المعادلة الأمنية بالساحل، فالدولتان تشتركان في حدود طويلة ومصالح أمنية وجغرافية واقتصادية متشابكة، كما أن استقرار مالي يرتبط بصورة مباشرة بالأمن الإقليمي وبأمن الحدود الجنوبية للجزائر، فأمن كل دولة اليوم أصبح مرتبطا بأمن دول الجوار، بفعل التهديدات العابرة للحدود، والتي تتطلب مواجهة مشتركة.
من هذا المنطلق، فإن رغبة البلدين في تجاوز التوتر، والإيجابية التي قابلت بها باماكو اليد الممدودة من الجزائر، تعني من الناحية الاستراتيجية، تغليب المصالح المشتركة في وقت تواجه منطقة الساحل تحديات متزايدة مرتبطة بالإرهاب والجريمة المنظمة والتهريب والهجرة غير النظامية وتدهور الأوضاع الأمنية، كما يعني ذلك استئناف الحوار السياسي بوصفه مدخلا ضروريا لإعادة بناء قنوات الاتصال في الملفات التي تهم البلدين والمنطقة بأسرها.
ديناميكيـــــة جديــــدة
من جهة أخرى، تعكس العبارة التي تضمنها البيان الرسمي حول «إضفاء ديناميكية جديدة على العلاقات الثنائية»، أهمية سياسية خاصة بوجود رغبة لدى الطرفين في فتح مسار جديد للحوار والتعاون، وعلى إدارة الخلافات وحماية المصالح المشتركة.
وعليه، يمكن للزيارة المرتقبة لمايغا أن توفر إطارا لمناقشة الملفات المشتركة بصورة مباشرة، مبنية على الحلول السياسية والحوار ورفض تحويل منطقة الساحل إلى ساحة صراع مفتوح، وهذا ما يستشف من بيان الوزارة الأولى، حيث أكد الطرفان تطلعهما إلى تعزيز مكانة منطقة الساحل باعتبارها «فضاء للتعاون والتبادل والتنمية المشتركة، في كنف الأمن والاستقرار».
وتكتسب هذه العبارة أهمية استراتيجية؛ لأنها تنقل النقاش من مستوى العلاقات الثنائية إلى المستوى الإقليمي، فالجزائر – بحكم موقعها الجغرافي وحدودها الطويلة مع دول منطقة الساحل – معنية مباشرة بما يحدث في مالي والنيجر وليبيا وموريتانيا ومنطقة الصحراء الكبرى عموما، وهي تسعى دائما لجعل المنطقة مستقرة، بالتركيز على أهم عنصر يفتقر إليه هذا الفضاء الشاسع، وهو التنمية، التي انخرطت فيها الجزائر بكل جدية سيما مع النيجر من خلال أنبوب الغاز، وموريتانيا بفتح طريق الزويرات تندوف، وإنشاء مناطق حدودية للتبادل الحر، ناهيك عن طريق الوحدة الإفريقية، وطرق السكك الحديدية نحو أقصى الجنوب الجزائري لترتبط بعدها بدول الجوار.
وقد يكون واضحا أن بناء علاقات حسنة مالية مع دول الجوار والجزائر، سيوفر لها منافذ اقتصادية وتجارية وأمنية مهمة، وبالتالي، فإن المصالح المشتركة تشكل أرضية عملية لإعادة بناء العلاقات. هذا من جهة.
ومن جهة أخرى، تمتلك الجزائر ومالي إمكانات للتعاون الاقتصادي والتجاري يمكن تطويرها، خاصة في المناطق الحدودية، والنقل، والطاقة، والتجارة، والخدمات، والبنية التحتية.
وتستطيع الجزائر أن تستثمر موقعها كمنفذ شمالي مهم لمالي، بينما تمثل مالي بالنسبة إلى الجزائر بوابة نحو عمقها الإفريقي والساحلي، كما أن إعادة تنشيط المبادلات التجارية والمشاريع المشتركة ينشئ مصالح اقتصادية متبادلة تجعل العلاقات الثنائية أكثر قدرة على مقاومة الأزمات السياسية، فكلما توسعت المصالح الاقتصادية المشتركة، ارتفعت تكلفة القطيعة.
التهدئـــة فــي الساحـــــل
ويمكن قراءة دعوة الجزائر لهذه الزيارة في ضوء المبدأ الجزائري التقليدي القائم على تفضيل الحوار والحلول السياسية في معالجة أزمات الجوار، فالجزائر، بحكم موقعها وتجربتها التاريخية، تنظر إلى أمن الساحل باعتباره قضية إقليمية لا يمكن معالجتها بالمقاربات العسكرية، وهذا لا يعني تجاهل المخاطر الأمنية أو التقليل من شأن مكافحة الإرهاب، وإنما يعني أن العمل الأمني، في التصور الجزائري، يحتاج إلى مسار سياسي وتنموي يزيل الأسباب التي تسمح للجماعات المتطرفة والإجرامية بتوسيع نفوذها.



