حملت افتتاحية مجلة الجيش، في عددها 757 لشهر أوت 2026، عنوانا يحمل دلالات ورسائل قوية، «استقرار الوطن.. الواجب المقدس»، في ظل ما تتعرّض له الجزائر من هجمات واستهداف لوحدتها واستقرارها من طرف قوى لم تعد خفية بل جلية للعلن، ويلعب الجيش الوطني الشعبي، دورا محوريا في ضمان الأمن والاستقرار خلال حماية الحدود وضمان مستوى جاهزية قتالية عالية وتحكّم في أحدث المعدات الحربية، إلى جانب امتلاكه ناصية الحروب السيبرانية.
توقف الدكتور هواري تيغرسي، عند عنوان افتتاحية مجلة الجيش، في عدد شهر أوت 2026، «استقرار الوطن.. الواجب المقدس»، معتبرا أنه عنوان لا يختزل فقط الدور الدستوري للجيش الوطني الشعبي في حماية الوطن والدفاع عن سيادته، وإنما يفتح أيضا بابا لقراءة أوسع لمكانة المؤسّسة العسكرية في معادلة بناء الدولة الجزائرية الحديثة، فالاستقرار الذي تتحدّث عنه المجلة – يقول محدثنا – ليس مجرّد مفهوم أمني، وإنما قاعدة سياسية واقتصادية واجتماعية تسمح للدولة بتسطير الاستراتيجيات ورسم خارطة الطريق، وللمؤسّسات بالاستثمار، وللاقتصاد بالتطور والانتعاش، وللمواطن بالعمل والثقة في قيادات بلاده.
ويرى تيغرسي أنّ الحديث عن إنجازات الجيش الوطني الشعبي لا يتوقف عند الجاهزية العملياتية وحماية الحدود ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، رغم أهميتها، بل ينبغي أن يمتد إلى جانب آخر لا يقل استراتيجية، يتمثل في مساهمة المؤسّسة العسكرية في بناء القدرات الصناعية والتكنولوجية، وخلق القيمة المضافة، وتكوين الكفاءات، ومرافقة الاقتصاد الوطني في مسار تقليص التبعية للخارج.
الاستقرار.. الثروة الوطنية الأهم
استرسل تيغرسي في حديثه لـ»الشعب»، مؤكّدا أنّ الجزائر تتواجد اليوم في محيط إقليمي ودولي شديد التعقيد، ما يجعل من المحافظة على الأمن والاستقرار قضية أمنية وشرطا أساسيا لكل مشروع اقتصادي، فلا يمكن جذب استثمارات كبرى، ولا تطوير مناطق صناعية ومناجم وموانئ وطرق وسكك حديدية، ولا استغلال الثروات الوطنية في بيئة مضطربة، ومن هنا خلص إلى أنّ الجيش الوطني الشعبي لا يحمي الحدود فقط، وإنما يحمي البيئة التي تُبنى فيها التنمية، وكلما كانت الحدود مؤمّنة، والمنشآت الاستراتيجية محمية، ومخاطر الإرهاب والجريمة المنظمة والتهريب تحت السيطرة، أصبح الاقتصاد أكثر قدرة على التخطيط والاستثمار وخلق فرص العمل والثروة.
وتؤكّد الحصيلة العملياتية الرّسمية للسداسي الأول من 2026، بحسب المصادر التي استند إليها تيغرسي، حجم الجهود المبذولة في هذا المجال، حيث أعلنت وزارة الدفاع الوطني تحييد 23 إرهابيا وتوقيف 147 من عناصر دعم الجماعات الإرهابية، إلى جانب عمليات واسعة لمكافحة المخدرات والتهريب والجريمة المنظمة وحماية الحدود، وهي حصيلة لا تمثل بالنسبة لمحدثنا مجرّد أرقام أمنية؛ لأنها أرقام لها انعكاساتها اقتصاديا واجتماعيا بشكل مباشر.
في هذا السياق، شدّد تيغرسي على أنّ التحول الأهم في مسيرة الجيش الوطني الشعبي يتمثل في الانتقال من مفهوم امتلاك القوة إلى إنتاج القوة، وهنا تبرز الصناعة العسكرية كواحدة من أهم التجارب التي تستحق قراءة اقتصادية معمّقة، فالقوة الصناعية العسكرية تعني القدرة على إنتاج وصيانة وتجديد جزء من الاحتياجات، وتطوير التكنولوجيا، وتكوين المهندسين والتقنيين، وتشجيع المناولة، ورفع نسبة الإدماج المحلي، وقد أكّدت وزارة الدفاع الوطني في عرضها للقاعدة الصناعية للجيش أنّ المؤسّسات الإنتاجية تغطي مجالات واسعة، منها الصناعات الميكانيكية الثقيلة والخفيفة، والإلكترونيات، وصناعة وتجديد العتاد الجوي والبحري، والنسيج والجلود. وهنا تحديدا تكمن القيمة الاقتصادية، فالجيش لا يستهلك فقط، بل يُنتج أيضا.
الطلب الصناعي فرص اقتصادية
في الاقتصاد التقليدي، استطرد تيغرسي، أنه يُنظر إلى الإنفاق الدفاعي باعتباره إنفاقا ضروريا لحماية الدول، أمّا في حال امتلاك الدولة لقاعدة صناعية دفاعية، فإنّ جزءا من هذا الإنفاق يمكن أن يتحول إلى طلب صناعي وطني يحرّك المؤسّسات، ويخلق وظائف، ويطوّر المهارات، ويشجّع البحث والتطوير، ويقلّص الحاجة إلى الاستيراد، وهذا – يواصل محدثنا – ما يجعل الصناعة العسكرية الجزائرية جزءا من معادلة أوسع هي معركة الإنتاج الوطني، والأهم أنّ وزارة الدفاع الوطني نفسها تؤكّد أنّ الهدف من تطوير هذه القاعدة الصناعية هو تعزيز التكامل مع الاقتصاد الوطني، ففي معرض الجزائر الدولي 2026، شاركت 19 وحدة إنتاجية في مجالات مختلفة، مع تأكيد رسمي على الارتقاء بسبل تكامل القاعدة الصناعية للجيش مع النسيج الاقتصادي الوطني، وهذه النقطة التي يرى تيغرسي ضرورة التوقّف عندها مطولا، فإذا كان هناك مجال يمكن أن يتحول فيه الدور الاقتصادي للصناعة العسكرية إلى أثر أوسع، فهو المناولة الصناعية، فالمؤسّسة العسكرية عندما تطلب قطع غيار أو مكونات أو تجهيزات أو خدمات من مؤسّسات جزائرية، فإنها لا تخلق نشاطا لمؤسّسة واحدة فقط، بل يمكن أن تحرّك سلسلة كاملة من المؤسّسات الصغيرة والمتوسطة، مؤسّسة تُنتج قطعة غيار، وأخرى تعالج المعادن، وثالثة تُنتج مكونات إلكترونية، ورابعة تقدّم خدمات هندسية، وأخرى تتكفّل بالاختبارات والمعايرة، وبهذا تتحول المؤسّسة الكبرى إلى قاطرة لسلسلة إنتاج كاملة.
وأظهرت مشاركات مؤسّسات الجيش في تظاهرات المناولة الصناعية – تابع محدثنا- توجّه الصناعة العسكرية نحو تعزيز الإدماج الوطني وتوسيع ارتباطها بالنسيج الصناعي، في مجالات تشمل الميكانيك والاتصالات والطيران وغيرها.. في هذا الصدد، يؤكّد تيغرسي أنّ الرهان المقبل يجب أن يتمحور في كيفية تحويل الطلب الصناعي للجيش الوطني الشعبي إلى فرصة لتطوير مئات المؤسّسات الجزائرية القادرة على دخول سلاسل القيمة.
25 ألف منصب مدني ونسيج مناولاتي واسع
تكشف معطيات حديثة، نقلها المتحدث عن مصادره، أنّ المؤسّسات التابعة لمديرية الصناعات العسكرية تشغل أكثر من 25 ألف موظف مدني عبر 11 مؤسّسة و28 فرعا، مع مساهمة القطاع في التشغيل وترقية الإنتاج المحلي وتطوير الإدماج من خلال المناولة.
وفي قراءة اقتصادية للأرقام المقدمة، فإنّ ذلك يعطي بعدا جديدا للصناعة العسكرية، وقال تيغرسي: «نحن لا نتحدث عن مصانع تُنتج معدات، وإنما عن رأس مال بشري، أجور، مهارات، خبرات تقنية، ضرائب ورسوم، طلب على الخدمات، ومؤسّسات مناولة، ما يشكّل منظومة يمكن أن تُنتج قيمة مضافة مباشرة وغير مباشرة، وهذا بالضبط ما يعنيه الانتقال من مفهوم (الصناعة العسكرية) إلى مفهوم أوسع هو (الصناعة الوطنية ذات البعد الاستراتيجي)».
وتناول تيغرسي محور الاستثمار في اقتصاد المعرفة، مؤكّدا أنّ الصناعة العسكرية الحديثة لا يمكن أن تقوم على التجميع فقط، بل تحتاج إلى هندسة وتصميم وبرمجيات وإلكترونيات ومواد مركّبة وقياس ومعايرة واتصالات وأنظمة تحكّم، وهو ما يخلق طلبا على الكفاءات الجزائرية ويدفع نحو تطوير التعليم والتكوين والبحث العلمي، والدليل – يؤكّد تيغرسي – أنّ مؤسّسات الجيش تضم مراكز هندسة وتطوير في الميكانيك والإلكترونيك، وتعمل في مجالات تقنية متخصّصة، كما أنّ منظومة التكوين العسكري نفسها تفتح مسارات جامعية وهندسية أمام الطلبة في تخصّصات مثل الهندسة الميكانيكية والكهربائية والمدنية، فالجيش – يواصل محدثنا – يحتاج إلى التكنولوجيا، والتكنولوجيا تحتاج إلى الجامعة، والجامعة تحتاج إلى الصناعة، حلقة مكتملة تؤكّد أنّ الجزائر لا تبني فقط جيشا قويا، وإنما تبني اقتصادا أكثر معرفة وتكنولوجيا. وهي أهم زاوية اقتصادية في قراءة افتتاحية مجلة الجيش، فالجيش الوطني الشعبي يحمي الثروات الوطنية في الصّحراء، ويحمي الحدود والمنشآت والممرّات، بالمقابل يمتلك قدرات صناعية تساهم في خلق الثروة والقيمة المضافة.





