صفحـة جديدة في العلاقات.. إرادة مشتركة ومصير واحد
تكامل التعاون الأمني والتنموي.. بناء حزام استقرار وأمن مشترك
تحريـــــر الرهينــــة الألماني.. جاهزيـــة دبلوماسيـة وأمنيـــة في إدارة الأزمـــات
تشهد منطقة الساحل خلال الفترة الأخيرة; تحولات متسارعة على المستويات السياسية والأمنية والاستراتيجية، وتبرز الجزائر كأكثر الدول المعنية بهذه التحولات بحكم موقعها الجغرافي، وامتداد حدودها مع منطقة الساحل، وتجربتها الطويلة في مكافحة الإرهاب، إضافة إلى ثقلها السياسي والدبلوماسي في القارة الإفريقية، وفي هذا السياق، تكتسب ثلاثة تطورات متزامنة أهمية خاصة: عودة قنوات الحوار بين الجزائر ومالي، الدعم العسكري الجزائري للنيجر، والنجاح في تحرير الرهينة الألماني من قبضة جماعة إرهابية.
تبدو هذه الأحداث للوهلة الأولى منفصلة، غير أنّ جمعها ضمن قراءة استراتيجية واحدة يكشف عن مسار أكثر عمقا يتعلّق بإعادة تثبيت الحضور الجزائري في محيطها الساحلي، وتعزيز أدواتها الأمنية والدبلوماسية في مواجهة بيئة إقليمية شديدة التعقيد.
ويمثل التقارب الجزائري-المالي أحد أبرز المؤشّرات على دخول العلاقات بين البلدين مرحلة جديدة، فبعد فترة اتّسمت بالتوتر السياسي والدبلوماسي، جاءت الاتصالات الأخيرة بين مسؤولي البلدين لتعيد فتح قناة الحوار، وصولا إلى توجيه دعوة رسمية للوزير الأول المالي، عبد الله مايغا لزيارة الجزائر.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية تتجاوز العلاقات الثنائية؛ لأنّ مالي تمثل بالنسبة للجزائر دولة جوار ذات أهمية مباشرة في الحسابات الأمنية، فاستقرار شمال مالي يرتبط بصورة وثيقة بأمن الحدود الجنوبية الجزائرية، كما أنّ استمرار التوتر بين البلدين لا يخدم المصالح الأمنية المشتركة، في ظل انتشار الجماعات الإرهابية وشبكات التهريب والجريمة المنظمة في منطقة الساحل، وبالتالي، فإنّ عودة الحوار يمكن أن تُقرأ باعتبارها إعادة لبناء الثقة السياسية الضرورية لإدارة الملفات الأمنية والحدودية.
مساعـــدات للنيجــر
يتعلّق التطور الثاني بتسليم الجزائر مساعدات عسكرية للنيجر تتضمّن أربع مروحيات، ويكتسي الحدث أهمية خاصة إذ تحتل النيجر موقعا محوريا في منظومة الأمن الساحلي، وتشترك مع الجزائر في حدود جنوبية، كما تواجه تحديات أمنية كبيرة مرتبطة بالإرهاب والجريمة المنظمة والتهريب. وتكتسب العلاقات الجزائرية-النيجرية أهمية خاصة بالنظر إلى الروابط الجغرافية والبشرية والاقتصادية بين البلدين، فالجزائر تدرك أنّ استقرار النيجر ينعكس مباشرة على أمنها، خصوصا في المناطق الحدودية الصّحراوية الشاسعة التي يصعب تأمينها بالوسائل التقليدية وحدها؛ لهذا يتكامل التعاون الأمني مع التعاون الاقتصادي والتنموي، لأنّ مكافحة الإرهاب في الساحل لا يمكن أن تعتمد على القوة العسكرية وحدها، ذلك أنّ المناطق المهمّشة والفقيرة والبعيدة عن الخدمات تمثل بيئات أكثر قابلية للاستغلال من قبل الجماعات المسلّحة وشبكات الجريمة المنظمة.
إنّ أي تعاون عسكري أو أمني بين الجزائر والنيجر ينبغي قراءته ضمن مفهوم أوسع للتعاون بين دول الجوار لمواجهة تهديدات عابرة للحدود، ولا ينبغي النظر إلى مثل هذا الدعم فقط باعتباره مساعدة عسكرية، وإنما باعتباره جزءا من منظومة أمنية إقليمية تقوم على تعزيز قدرات دول المنطقة على حماية أراضيها.
تحرير الرّهينة الألماني.. قوة أمنية ودبلوماسية
أمّا التطور الثالث، والمتعلق بتحرير رهينة ألماني من قبضة جماعة إرهابية، فيقدّم بعدا مختلفا للحضور الجزائري في المنطقة، ذلك أنّ نجاح الجزائر في إنهاء وضعية احتجاز مواطن أجنبي لتسليمه إلى بلاده، يحمل قيمة أمنية وإنسانية ودبلوماسية في الوقت نفسه، وفي مثل هذه الملفات، لا تكون القوة الأمنية وحدها كافية، إذ تحتاج العملية إلى معلومات دقيقة، وتقدير المخاطر، واتصالات سياسية ودبلوماسية، وقدرة عالية على إدارة الأزمة، ويوضّح – بصورة عملية – كيف يمكن للتعاون مع دولة مثل الجزائر أن يكتسب أهمية بالنسبة إلى الشركاء الأوروبيّين، حيث يمثل استقرار الساحل قضية مباشرة بالنسبة إلى أوروبا، بسبب ارتباطه بالإرهاب والهجرة غير النظامية وشبكات الإتجار والجريمة المنظمة، كما أنّ أمن الساحل وشمال إفريقيا يرتبط بصورة متزايدة بالأمن الأوروبي، ما يجعل الجزائر طرفا لا يمكن تجاوزه في أي مقاربة جدية لأمن المتوسط والساحل.
وعليه، يعزّز نجاح الجزائر في هذا النوع من الملفات صورتها باعتبارها دولة تمتلك خبرة في إدارة الأزمات الأمنية المعقّدة.ولهذا، فإنّ الجزائر لا تستطيع النظر إلى أمنها الجنوبي بمعزل عن الوضع الأمني في مالي والنيجر ومنطقة الساحل ككل، ومن هذه الزاوية، فإنّ تعزيز العلاقات مع دول الجوار، وتبادل المعلومات، ورفع القدرات العملياتية، وتنسيق الجهود ضدّ الإرهاب والجريمة المنظمة، كلها عناصر تصب في حماية الأمن القومي الجزائري، وأمن دول منطقة الساحل.
ثـــلاث رسائـــل.. واتجــاه واحـــد
عند جمع التطورات الثلاث، يمكن استخلاص ثلاث رسائل استراتيجية.. الأولى: أنّ الجزائر لا تتعامل مع الساحل باعتباره مجالا للصراع على النفوذ، وإنما باعتباره مجالا للأمن المشترك والمصالح المتبادلة. الثانية: أنّ الجزائر تمتلك أدوات متعدّدة للتعامل مع أزمات المنطقة، تبدأ بالدبلوماسية والحوار مع التنسيق والتعاون الأمني مع دول الجوار، والثالثة: هي أنّ الحضور الجزائري في الساحل يقوم على بناء علاقات مع دول الجوار، وليس على فرض ترتيبات أمنية من خارج المنطقة، وهذا النموذج يختلف عن المقاربات التي تعتمد على التدخّل العسكري الخارجي أو إقامة قواعد عسكرية دائمة باعتبارها الحل الأساسي لمشكلات الساحل.
حســن جوار وحرص على الاستقرار
تاريخيا، بنت الجزائر جزءا مهما من نفوذها الإقليمي على الدبلوماسية والحوار والوساطة، لكن التحولات الأمنية التي شهدتها منطقة الساحل فرضت على الدول إعادة تقييم أدواتها، والجزائر التي تمتلك جيشا ذا خبرة واسعة في مكافحة الإرهاب، وتتمتّع بقدرات أمنية واستخباراتية مهمة، أصبحت أمام معادلة تتطلّب الجمع بين القوة الصلبة والقوة الدبلوماسية، هذه الأخيرة تفتح الأبواب، بينما توفّر القدرات الأمنية أدوات حماية المصالح ومواجهة التهديدات، فالنجاح في إدارة الملفات الحساسة يتطلّب الجمع بين الاثنين.
هذا، وتكمن خصوصية المقاربة الجزائرية في أنّ أمنها القومي يبدأ من محيطها المباشر؛ فالحدود الطويلة مع مالي والنيجر تجعل استقرار الجوار ضرورة أمنية وليس مجرّد خيار سياسي. ولهذا، فإنّ تعزيز العلاقات مع دول المنطقة لا ينبغي اختزاله في مفهوم «التوسّع في النفوذ»، بل يجب فهمه باعتباره محاولة لبناء حزام من الاستقرار والتعاون حول الجزائر، فكلما كانت دول الجوار أكثر قدرة على ضبط أراضيها ومواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة، كان ذلك أفضل لأمن المنطقة كلها.




