تنسيــــق مباشـــــر بـين قاعــة العمليــات والفرق الميدانيـــة
لم تعد كاميرات المراقبة مجرد وسيلة لتوثيق الوقائع بعد حدوثها، بل تحوّلت إلى شريك أساسي في صناعة الأمن الاستباقي، وهو ما تؤكده الأرقام التي كشفت عنها مصالح أمن ولاية البليدة، بعدما أعلن المركز الولائي للمراقبة بواسطة الفيديو عن معالجة 7222 قضية خلال السداسي الأول من سنة 2026، منها 4656 قضية في مجال الأمن العمومي و2566 قضية في مجال الشرطة القضائية، بفضل التنسيق المباشر بين قاعة العمليات والفرق الميدانية.
سجّل المركز استقبال 51802 مكالمة عبر الرقم الأخضر، و33696 مكالمة عبر خط النجدة، إلى جانب 190 بلاغًا يتعلق بحالات الاختفاء و274 تبليغًا عبر تطبيق “ألو شرطة”، بحسب بيان لأمن ولاية البليدة مؤرخ في الخامس أوت الحالي، وتعكس هذه الحصيلة تنامي اعتماد المواطنين على وسائل الاتصال الحديثة للتبليغ عن مختلف الانشغالات الأمنية.
غير أن أهمية هذه الأرقام لا تكمن في بعدها الإحصائي فحسب، وإنما في دلالتها على التحوّل الذي تشهده المنظومة الأمنية في الجزائر، حيث أصبح الاعتماد على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي أحد أهم أدوات الوقاية من الجريمة ومكافحتها. ويعد المركز الولائي للمراقبة بواسطة الفيديو بالبليدة واحدًا من بين عشرة مراكز فقط أنشئت عبر الوطن، ويرأسه والي الولاية، كما يشكّل خلية قيادة لتسيير الأزمات والكوارث الطبيعية والحوادث الصناعية، فضلاً عن دوره في تنظيم التدخلات الأمنية الكبرى.
ويستند هذا المركز إلى منظومة تقنية متطورة، طورتها مؤسسة وطنية تابعة لوزارة الدفاع الوطني، يجري تحديثها باستمرار لمواكبة الأساليب الجديدة التي يعتمدها المجرمون. وتتحكم هذه المنظومة في أكثر من 4000 كاميرا مراقبة موزعة وفق دراسة أمنية دقيقة عبر إقليم الولاية، تشمل الفضاءات الحضرية والطرقات والمحاور الكبرى، إذ تغطي أغلبها إقليم اختصاص الشرطة، فيما تنتشر البقية في المناطق الواقعة ضمن اختصاص الدرك الوطني خارج التجمعات الحضرية.
وتضمّ الشبكة كاميرات ذكية قادرة على قراءة لوحات ترقيم المركبات بصورة آلية، وأخرى مزودة بتقنية التعرف على الوجوه، وهو ما يسمح بتحديد هوية المشتبه فيهم وتتبع تحركاتهم في وقت وجيز، سواء تعلّق الأمر بجريمة وقعت بالفعل أو بمحاولة إحباط عمل إجرامي قبل تنفيذه. وبذلك، لم تعد المراقبة بالفيديو مجرد وسيلة للتوثيق، بل أصبحت أداة استباقية تساعد على توقّع المخاطر، وتوجيه الدوريات الأمنية نحو الأماكن التي تستدعي تدخلاً سريعًا.
ولا يقتصر دور المركز على مكافحة الجريمة التقليدية، بل يمتد أيضًا إلى مواجهة الجرائم الإلكترونية، بالنظر إلى الترابط المتزايد بين العالمين الواقعي والافتراضي. فالكثير من الجرائم الإلكترونية تنتهي بوقائع ميدانية، والعكس صحيح، ما يجعل الربط بين المعطيات الرقمية والصور الميدانية عنصرًا حاسمًا في التحقيقات. ويعزّز هذا التوجّه وجود فرقة متخصصة في الجرائم الإلكترونية والأمن السيبراني على مستوى أمن ولاية البليدة، تتكامل مهامها مع ما توفره منظومة المراقبة من بيانات وصور.
وفي السياق نفسه، يمثل تطبيق “ألو شرطة” إضافة نوعية للمنظومة الأمنية، إذ يتيح للمواطنين، عبر الهواتف الذكية العاملة بنظام “أندرويد”، إرسال التبليغات والشكاوى وإرفاقها بالصور أو مقاطع الفيديو عند الاقتضاء، فضلاً عن إمكانية التواصل المباشر مع قاعة العمليات عبر أرقام الهاتف المخصّصة لذلك. ويسهم هذا الأسلوب في توسيع دائرة المشاركة المجتمعية في حماية الأمن، من خلال جعل المواطن طرفًا فاعلًا في التبليغ السريع عن المخاطر والتصرفات المشبوهة.
كما أثبتت هذه المنظومة فعاليتها في مجالات أخرى لا تقل أهمية، مثل تنظيم حركة المرور، ومعاينة المخالفات، وتأمين المنشآت الحساسة، وحماية التظاهرات الرياضية والثقافية، خاصة مباريات كرة القدم التي قد تشهد أعمال شغب، إلى جانب الإسهام في عمليات البحث عن المفقودين، وتوجيه التدخلات أثناء الحرائق والكوارث الطبيعية، بما يضمن سرعة اتخاذ القرار وترشيد استعمال الموارد البشرية والوسائل المادية.
وتنسجم تجربة البليدة مع التوجّه الوطني الذي تتبناه وزارة الداخلية والجماعات المحلية، والرامي إلى تعميم المراكز الولائية للمراقبة بواسطة الفيديو عبر مختلف ولايات البلاد، بما يضمن تغطية عاصمة كل ولاية على الأقل بهذه المنظومة الحديثة. وهو خيار يعكس قناعة متزايدة بأن الأمن في العصر الرقمي لم يعد يعتمد فقط على العنصر البشري، بل أصبح يقوم أيضًا على الاستثمار في التكنولوجيا، وتحليل البيانات، وسرعة تداول المعلومات.
إن التجربة التي تقدمها ولاية البليدة تؤكد أن الكاميرا لم تعد مجرد شاهد صامت على الجريمة، وإنما تحولت إلى عين إلكترونية يقظة، تراقب وتحلل وتنبه، وتمنح رجل الأمن أفضلية ثمينة في حماية الأرواح والممتلكات، وترسيخ الشعور بالأمن داخل المجتمع، في زمن أصبحت فيه سرعة المعلومة لا تقل أهمية عن سرعة التدخل.




