فــرص جديـــدة في مجـــالات الاستثمـــار والتكويــــن والتشغيـــل
يبرز مشروع الفوسفات المدمج بوصفه أحد أكبر المشاريع المنجمية والصناعية المهيكلة في الجزائر، وتجسيدًا لتوجه يضع تثمين الموارد الطبيعية وتعزيز التصنيع الوطني وخلق قيمة مضافة أعلى في صلب مسار تنويع الاقتصاد.
يمثل توقيع عقدين بصيغة الهندسة والإمداد والبناء مع شركتين إيطالية وصينية رائدتين محطة حاسمة في مسار المشروع، مع الانتقال إلى مرحلة الإنجاز الميداني وفق نمط يركز على تسريع وتيرة التنفيذ وتقليص الآجال، بما يسمح بدخول الوحدات الإنتاجية حيز الخدمة وفق الرزنامة المحددة. ومن المرتقب إنتاج أولى كميات الفوسفات المخصب خلال الثلاثي الأول من سنة 2027، على أن تنطلق مرحلة إنتاج الأسمدة، خلال الثلاثي الرابع من السنة نفسها.
ويشمل المشروع إنجاز مركب لاستخراج وتخصيب الفوسفات بولاية تبسة، بطاقة استخراج تصل إلى 5.5 ملايين طن سنويًا، إلى جانب مركب صناعي متكامل بولاية سوق أهراس لإنتاج ملايين الأطنان من الأسمدة الفوسفاتية والآزوتية، فضلًا عن منشآت مينائية بعنابة، بما يضمن تكامل حلقات الإنتاج والتحويل والنقل والتصدير ضمن منظومة صناعية ولوجستية واحدة.
وتكمن الأهمية الاقتصادية للمشروع في قدرته على نقل الفوسفات من مرحلة استغلال المورد المنجمي إلى بناء قاعدة صناعية تحويلية متكاملة، ترفع القيمة المضافة للثروة الوطنية، وتفتح المجال أمام تطوير صناعات مرتبطة بها، إلى جانب خلق فرص جديدة في مجالات التكوين والتشغيل والاستثمار.
نحو حضور أوسع في الأسواق الإفريقية
يتجاوز طموح الجزائر إنتاج الفوسفات والأسمدة وتسويقها إلى بناء سلسلة صناعية متكاملة قادرة على خلق القيمة، وتطوير الكفاءات الوطنية، وتعزيز تنافسية المنتجات الجزائرية في الأسواق الخارجية، خصوصًا الأسواق الإفريقية التي تمثل مجالًا واعدًا للمنتجات الصناعية والأسمدة.
ويشكل الانتقال من تصدير المواد الأولية إلى إنتاج وتسويق منتجات صناعية ذات قيمة مضافة مرتفعة أحد المسارات الرئيسية لتنويع الاقتصاد، كما يعزز قدرة الجزائر على ترسيخ حضورها في الأسواق الإقليمية والدولية للأسمدة والمنتجات الكيميائية. ويمنح هذا التوجه الصناعة الوطنية فرصة للارتقاء من موقع المورد للمواد الخام إلى موقع أكثر تقدمًا ضمن سلاسل القيمة الإقليمية والعالمية.
وتكتسي الشراكات مع المؤسسات الإيطالية والصينية أهمية خاصة في هذا المسار، بالنظر إلى ما تتيحه من تعاون تقني وصناعي، ونقل للتكنولوجيا، وتبادل للخبرات، وتطوير للكفاءات، وتعزيز للمحتوى المحلي. كما تقدم هذه المشاريع نموذجًا للشراكات الاقتصادية القائمة على التكامل بين رأس المال والخبرة والتكنولوجيا والموارد الوطنية، بما يخدم المصالح المشتركة ويرفع جاذبية الجزائر أمام الاستثمارات الصناعية الكبرى.
ويكشف الجمع بين تسريع المشاريع المنجمية والصناعية الكبرى داخل الجزائر وتوسيع النشاط الاقتصادي الجزائري في إفريقيا عن تحول أوسع في الرؤية الاقتصادية، يقوم على استثمار الموارد الوطنية وتطوير سلاسل القيمة المرتبطة بها، بالتوازي مع توسيع نطاق الشراكات الدولية والإقليمية.
وفي ظل التنافس المتزايد على مصادر الطاقة والثروات الطبيعية والأسواق الناشئة، تكتسب هذه الديناميكية أهمية استراتيجية، لأنها تمنح الجزائر أدوات إضافية لتعزيز استقلال قرارها الاقتصادي وتوسيع هامش حركتها في الأسواق الدولية. فالقوة الاقتصادية تقاس أيضًا بمدى القدرة على تحويل الموارد إلى صناعة ومعرفة وخبرة وأسواق وشراكات مستدامة.
ومن هذا المنظور، تبرز سوناطراك كإحدى أهم أدوات الحضور الاقتصادي الجزائري في إفريقيا، مستفيدة من خبرة تراكمت على مدى عقود، ومن قاعدة بشرية وتقنية واسعة. ويمنح توسع نشاطها خارج الحدود الجزائر موقعًا أكثر تأثيرًا في المشهد الطاقوي القاري، خصوصًا مع اتساع مجالات التعاون لتشمل الاستكشاف والحفر والخدمات النفطية ونقل الخبرة والتكوين.وتتقاطع المشاريع الاستكشافية التي تنفذها سوناطراك في إفريقيا مع المشاريع المنجمية والصناعية المهيكلة داخل الجزائر ضمن مسار أوسع لبناء منظومة اقتصادية أكثر تنوعًا، تستند إلى الموارد الطبيعية وتستثمر في العنصر البشري وتستفيد من الشراكات الاستراتيجية.
وفي هذا المسار، تتقدم سوناطراك بوصفها نموذجًا لمؤسسة جزائرية توسع تدريجيًا أدوارها من إنتاج وتسويق المحروقات إلى تقديم الخبرة والخدمات والتكنولوجيا والمشاركة في تطوير مشاريع خارجية، بالتوازي مع مساهمتها في بناء قاعدة صناعية وطنية أكثر تنوعًا.وهكذا، يتشكل حضور اقتصادي جزائري أكثر اتساعًا في إفريقيا، يستند إلى الخبرة ويتجه نحو توسيع مجالات التعاون والتأثير. وبينما تواصل سوناطراك تطوير نشاطها الاستكشافي في القارة، تتقدم داخل الجزائر مشاريع صناعية ومنجمية كبرى، بما يرسم ملامح اقتصاد أكثر تنوعًا وقدرة على خلق القيمة.
إنها معادلة تجمع بين الموارد والخبرة، وبين الاستثمار الداخلي والانفتاح الخارجي، وبين تطوير الصناعة وتعزيز الحضور الإقليمي. وفي قلب هذه المعادلة تبرز سوناطراك كفاعل محوري في المشهد الطاقوي الإفريقي، فيما يمثل مشروع الفوسفات المدمج أحد النماذج البارزة لمسار تثمين الموارد الوطنية وتحويلها إلى صناعة وقيمة مضافة وفرص استثمار، بما يدعم توجه الجزائر نحو اقتصاد أكثر تنوعًا وقدرة على المنافسة وحضورًا أوسع في الأسواق الإقليمية والدولية.


