قال المخرج شوقي بوزيد إن الورشات الفنية أصبحت اليوم أكثر ضرورة من أي وقت مضى، في ظلّ تدفق الصور والمحتويات الرقمية وتسارع الاستهلاك الثقافي، وأكد أن هذه الورشات ليست لملء وقت الفراغ، بل هي “مختبرات صغيرة لصناعة الوعي والخيال”.
أشار شوقي بوزيد إلى أن الطفل أو الشاب أصبح “مستهلكا للصورة بدل أن يكون قادرا على قراءتها وصناعتها، أو أن يأخذ المعلومة دون تفكيكها”، وأضاف في حديثه لـ«الشعب” قائلا: “وهنا تأتي الورشة الفنية لتعلمه كيف يرى، ومتى وكيف يسأل، ومتى يجرّب، وكيف يخطئ حتى يتعلم”، ويتابع بوزيد “في المسرح لا يتعلم الطفل أو الشاب التمثيل فقط، بل يتعلم الإصغاء، والانضباط، والعمل الجماعي، وفهم الجسد والصوت والفضاء، والأهم امتلاك الجرأة على التعبير”، وأوضح أن ذلك يتحقّق شرط “أن نتوقف عن النظر إلى الورشات باعتبارها نشاطا مناسباتيا، فإذا كانت الورشة تنتهي بانتهاء أيامها أو التظاهرة، فنحن أمام نشاط عابر.. أما إذا كانت جزءا من مسار تكويني مستمر، فإننا نتحدث عن استثمار حقيقي في المستقبل”.
وأكد المتحدث أن المسرح والسينما “لا يجددان نفسيهما بالميزانيات والمعدات فقط، وإنما بالأجيال الجديدة من الكتاب والممثلين والمخرجين والتقنيين والمصممين والنقاد والجمهور”. وقال “إذا أردنا مسرحا وسينما جزائريين متجددين بعد عشرين سنة، فعلينا أن نبدأ بتكوين الإنسان الذي سيصنعهما اليوم”.
وبحسب بوزيد، فإن التلاقح بين الأجيال “يعد من أهم وظائف الورشات الفنية”، وهنا يلفت إلى أن “لدينا في الجزائر رصيد كبير من الفنانين الذين راكموا التجربة، ولدينا شباب يمتلكون أدوات رقمية وحساسيات وأسئلة جديدة”، غير أن المشكلة – في رأيه – “تحدث عندما يعيش الجيلان منفصلين، في حين يمكن للورشة أن تكون جسرا بينهما”.
وأوضح أن هذا التلاقح “لا يعني أن يأتي الفنان الخبير ليقدم دروسا جاهزة للشباب ثم ينصرف، بل يستوجب حوارا حقيقيا.. يقدم الكبير تجربته، ويطرح الشاب أسئلته، والاثنان يكتشفان أن الفن لا يملك عمرا محددا”، واختصر هذه العلاقة بقوله “الخبرة من دون أسئلة جديدة قد تتحوّل إلى تكرار، والجدة من دون خبرة قد تتحول إلى فوضى”.
وشدد بوزيد على التمييز بين الورشات، قائلا “ إذا كانت الورشة مجرد تسلية، فهي ترفيه، وإذا كانت مبنية على مشروع وتكوين واستمرارية، فهي استثمار في مستقبل الفن والهوية”. واعتبر أيضا أن “الورشة استثمار في المتلقي، لأننا نتحدث عن صناعة الفنان وننسى الجمهور”.
ويضيف “الجمهور الذي يتعلّم منذ صغره كيف يشاهد مسرحية، وكيف يستمع إلى الموسيقى، وكيف يقرأ صورة سينمائية، وكيف يناقش عملا فنيا، سيكون غدا أكثر قدرة على التمييز بين الفن الحقيقي والاستهلاك الثقافي السريع”، وفي هذا السياق يؤكد “لا أرى الورشة الفنية هامشا في السياسة الثقافية، بل أراها إحدى البنى التحتية الناعمة للأمن الثقافي”.
وشدّد بوزيد على أن “الرهان لا يتوقف عند تنظيم الورشات، بل يمتد إلى برامجها والجهات المشرفة عليها، والأهم هو: ماذا يحدث للمشارك بعد انتهاء الورشة؟”، كما حذّر من اكتشاف المواهب مبكرا ثمّ تركها دون متابعة، قائلا “إن أخطر شيء هو أن نكتشف موهبة في العاشرة من عمرها، ثم نتركها في الخامسة عشرة تبحث وحدها عن الطريق”. وأضاف “الورشة الناجحة ليست التي يأخذ فيها المشارك كما معلوماتيا ثم يرحل، وإنما هي التي تنتهي بعرض جميل، وتفتح أمامه طريقا جديدا في الحياة”.






