في كتابها “التشكيل والتلقي في السرد الرقمي التفاعلي ـ قراءة في نماذج”، الصادر حديثا عن دار “فكرة كوم” للنشر، تسلط الباحثة غانية تومي الضوء على خصوصيات الكتابة الرقمية وآليات اشتغالها، محاوِلة بناء إطار نظري يؤصل لمفاهيم الأدب الرقمي، ويسهم في ضبط مصطلحاته. كما تُقارب الدراسة التحوّلات التي أحدثتها الوسائط الرقمية في آلیتيْ التشكیل والتلقي، والكشف عن التحوّلات التي مسّت العلاقة بين المبدع والمتلقي في البيئة الرقمية.
صدر حديثا عن دار “فكرة كوم للنشر والتوزيع” كتاب بحثي أكاديمي في حقل الدراسات الأدبية والنقدية الحديثة تحت عنوان “التشكيل والتلقي في السرد الرقمي التفاعلي ـ قراءة في نماذج”، من تأليف الباحثة المهتمة بالأدب الرقمي التفاعلي غانية تومي، وتقديم أ.د. نورية بن عدي (المركز الجامعي مغنية).
وكما يتجلى لنا من العنوان، يحيل مصطلح التشكيل على الاستراتيجيات البنائية والصيغ المعمارية التي تتحكّم في صيرورة الإنتاج الإبداعي، وتكسب المادة المحكية أبعادها الجمالية والدلالية من خلال آليات التمظهر النصي وهندسة الفضاء التعبيري. وفي المقابل يمثل التلقي الأفق التأويلي والنشاط القرائي الكفيل بفكّ شفرات السرد، عبر رصد استجابة الوعي النقدي للجماليات المقترحة، ما يجعل المعنى محصلة لتفاعل حيوي ومستمر بين البنية النصية الهيكلية والامتداد الإدراكي لجمهور القراء.
ولعلّ من أبرز ما يطرحه الكتاب فكّ شيفرات الثنائيات الضدية الحديثة (المركز والهامش، التشكيل والتلقي، الإيتوس والباتوس، الأحادية والتعددية)، ورصد دور الوسائط المتعدّدة (الصورة، اللون، الروابط..) في تعزيز جماليات النص السردي الرقمي، وتتبع آليات الانتقال من الكتابة الخطية المطبوعة إلى النص الشبكي المتاهوي، بالإضافة إلى الحرص على تزويد المكتبة الجامعية والأكاديمية بمقاربة حداثية تعبر الحدود المعرفية وتواكب روح العصر الرقمي.
وتسعى هذه الدراسة، التي جاءت في 173 صفحة، إلى إماطة اللثام عن خصوصية النص الرقمي، بوصفه مولودا أدبيا جديدا، وذلك من خلال محاولة بناء إطار نظري يؤصل لمفاهيم الأدب الرقمي، ويسهم في ضبط مصطلحاته، كما يستجلي خصوصيات الكتابة الرقمية وآليات اشتغالها، فضلا عن مقاربة التحولات التي أحدثتها الوسائط الرقميّة في آلیتي التشکیل والتلقي الأدبییْن، وكل ذلك في سياق الانتقال من الثقافة الورقية إلى الثقافة الرقمية في أفق عصر ما بعد الحداثة وتداعياته.
فمع التطوّر التكنولوجي واقتحام الشبكة العنكبوتية لعالم الأدب، انتقل النص من ضفاف الورق إلى رحاب “الديجيتالية اللوغاريتمية”، ولم يعد القارئ مجرد متلقٍّ سلبي، بل أصبح شريكا فعليا في بناء المعنى وصياغة النص الأدبي الرقمي.
وعليه، يأتي هذا الكتاب ليخوض غمار تجربة نقدية واعية وجادة تستهدف فهم رهانات التحوّل الرقمي وتجليات التفاعلية في السرد العربي، حيث يجمع بين التأطير النظري العميق والاشتغال التطبيقي المكثف على نموذجين روائيين تطبيقيين متباينين: النموذج الأول هو رواية “صقيع” لمحمد سناجلة (نموذج الرواية الأحادية / الفردية) بوصفها نموذجا للرواية الرقميّة القائمة على الروابط الإلكترونية، والنموذج الثاني هو رواية “المعتوه” لفضيلة بهيليل (نموذج الرواية التعددية / الفيسبوكية)، بوصفها نموذجا للرواية الفيسبوكية الّتي كرست الكتابة الجماعية وأعادت تموضع المتلقي في مركز العملية الإبداعية. ومن خلال هذين النموذجين، سعت الدراسة إلى استقراء جماليات التشكيل وآليات الاشتغال، والكشف عن التحولات التي مست العلاقة بين المبدع والمتلقي في البيئة الرقمية.






