أسدل الستار على فعاليات المهرجان الوطني لـ«الكتاب المقروء”، التي احتضنتها المكتبة الوطنية الجزائرية بالتزامن مع تنظيمها عبر المكتبات الرئيسية للمطالعة العمومية بمختلف ولايات الوطن، تحت شعار “لكتبنا حياة أخرى”، مسلطة الضوء على مكانة الكتاب ومستقبل فعل القراءة في ظل التحولات التي تفرضها الرقمنة والذكاء الاصطناعي.
قدم الأستاذ حمزة قريرة، أستاذ وباحث بجامعة ورقلة في حديثه مع “الشعب”، قراءة في التحولات التي مست فعل القراءة، معتبرا أن الانتقال من الورق إلى الشاشة لا ينبغي اختزاله في مجرد تغيير تقني في حامل النص، وإنما يستدعي التوقف عند انعكاساته على طريقة التلقي والفهم والتفاعل مع المقروء.
ويرى قريرة أن القراءة ظلت عبر التاريخ فعلا يتجاوز استهلاك المعلومات إلى إنتاج المعنى، بما تتيحه للقارئ من مساحة للتأمل والتأويل وإعادة بناء الأفكار انطلاقا من تجربته ومخزونه المعرفي. غير أن البيئة الرقمية، بما توفره من سرعة وتدفق وتشعب في الوصول إلى المعلومات، باتت تفرض إيقاعا جديدا على هذه الممارسة، وهو ما يستدعي ـ بحسبه ـ إعادة التفكير في كيفية تحقيق التوازن بين الاستفادة من التكنولوجيا والمحافظة على القراءة المتأنية والعميقة.
ويولي الباحث أهمية خاصة للكتاب الورقي، بالنظر إلى ما يتيحه من علاقة حسية ومكانية بالنص، من خلال ملمس الصفحات وتقليبها ومتابعة مسار النص داخل فضاء مادي ثابت، وهي عناصر يرى أنها تساعد على التركيز واستيعاب النصوص الطويلة والمعقدة. وفي المقابل، قد يؤدي الاستخدام غير المنضبط للشاشات ـ وفق قراءته ـ إلى زيادة التشتت وتشجيع القراءة السريعة والانتقال المتواصل بين المضامين، على حساب الاستغراق والتأمل.
ولا يقف التحول عند حدود الوسيط، إذ يرى قريرة أن الذكاء الاصطناعي يطرح بدوره أسئلة جديدة حول معنى القراءة ذاتها، خصوصا مع انتشار إمكانات التلخيص والبحث والاسترجاع الفوري للمعلومات. فحين تتولى الآلة اختصار الكتب والدراسات وتقديم خلاصاتها الجاهزة، قد يتحول القارئ تدريجيا من مكتشف للمعرفة إلى مستهلك لنتائج أُنجز جزء من عملية قراءتها وتأويلها بالنيابة عنه.
ويحذر في هذا السياق من فقدان ما يسميه “الصدفية المعرفية”، أي تلك الاكتشافات غير المتوقعة التي قد يصادفها القارئ أثناء تجواله بين رفوف المكتبة أو صفحات كتاب لم يكن يبحث عنه أصلا، وهي تجربة يرى أنها جزء من متعة القراءة ومن قدرتها على توسيع أفق القارئ ومفاجأته بما هو خارج توقعاته.
ومع ذلك، لا يقدم قريرة موقفا رافضا للتكنولوجيا، بل يدعو إلى بناء علاقة نقدية ومتوازنة معها، بحيث يوظف الذكاء الاصطناعي في المجالات التي يمكن أن يعزز فيها البحث والوصول إلى المعلومات، دون أن يحل محل القراءة العميقة والتفكير المستقل، كما يشدد على ضرورة تطوير وعي نقدي باستخدام هذه الأدوات، يحمي القارئ من الاستسلام للمخرجات الجاهزة ومن تضييق خياراته المعرفية بفعل الخوارزميات.
وهكذا، تبدو عودة الكتاب إلى الواجهة من خلال تظاهرة “الكتاب المقروء” في طبعتها الأولى، أكثر من احتفاء بواقع ثقافي قائم، إذ تفتح في الوقت ذاته سؤال المستقبل: “كيف يمكن أن تتطور هذه التجربة في طبعاتها المقبلة، وأن تكون فضاء أكثر انفتاحا على التحولات التي تمس الكتاب والقراءة، وأكثر قدرة على استشراف مستقبل الفعل القرائي في زمن الرقمنة والذكاء الاصطناعي؟”، ولعل الطبعة الثانية تكون موعدا لتوسيع هذه الرؤية، بما يجعل من التظاهرة مساحة متجددة للحوار حول الكتاب، ليس فقط بوصفه حاملا للمعرفة، وإنما باعتباره فعلا حيا يتجدد بتجدد الإنسان وأسئلته.







