تتولّى الجزائر رئاسة مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي في مرحلة دقيقة تتقاطع فيها أزمات أمنية وسياسية متصاعدة في القارة، من منطقة الساحل والصّحراء إلى القرن الإفريقي، بالتوازي مع تنامي التهديدات الإرهابية والجريمة المنظمة وتزايد التدخّلات الخارجية في عدد من بؤر التوتر.
تكتسب المواقف التي تعبّر عنها الجزائر أهمية خاصة، كونها تعكس جانباً أساسياً من رؤيتها لمنظومة السلم والأمن في إفريقيا، المبنية على عقيدة دبلوماسية راسخة تقوم على احترام سيادة الدول ووحدتها وسلامة أراضيها، والتمسّك بمبدأ عدم التدخّل في الشؤون الداخلية، مع إعطاء الأولوية للحلول السياسية والحوار والتسويات الإفريقية للأزمات الإفريقية.
ومن أبرز ملامح الموقف الجزائري داخل مجلس السلم والأمن، التأكيد على أنّ معالجة الأزمات التي تواجه القارة ينبغي أن تنطلق من المؤسّسات والآليات الإفريقية، بعيداً عن تحويل القارة إلى ساحة لتنافس القوى الدولية.
وتحمل هذه المقاربة دلالة سياسية واضحة، فالجزائر تنظر إلى استقلال القرار الإفريقي باعتباره جزءاً من الأمن القاري، وليس مجرّد شعار دبلوماسي. ولذلك تدفع باتجاه تعزيز قدرة الاتحاد الإفريقي على إدارة النزاعات والوقاية منها، وتطوير آليات الإنذار المبكّر والوساطة، وتعزيز التنسيق بين الاتحاد الإفريقي والتجمّعات الإقليمية.
قارّة بلا حروب
في هذا الإطار، تبرز مداخلات السفير محمد خالد، الممثل الدائم للجزائر لدى الاتحاد الإفريقي، باعتبارها امتداداً لهذا التصور الذي يربط بين احترام سيادة الدول والحفاظ على السلم والاستقرار الإقليميّين، مع التشديد على أنّ الحلول الأمنية وحدها لا تكفي لمعالجة الأزمات ذات الجذور السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
وتكتسب هذه المواقف أهمية خاصة بالنظر إلى أنها تعكس توجّهاً جزائرياً يسعى إلى إعادة تثبيت أحد المبادئ المركزية في أجندة الاتحاد الإفريقي، والمتمثل في بناء قارة خالية من الحروب والنزاعات، والانتقال من إدارة الأزمات إلى الوقاية منها ومعالجة أسبابها العميقة.
ومنذ إطلاق مبادرة الاتحاد الإفريقي الرامية إلى إسكات البنادق، اعتبرت الجزائر أنّ تحقيق هذا الهدف ينبغي أن يتحول إلى التزام مؤسّساتي وآلية عمل مستمرّة داخل المنظومة الإفريقية.
وتنطلق المقاربة الجزائرية من قناعة مفادها أنّ استمرار النزاعات المسلّحة لا يهدّد أمن الدول المعنية فحسب، وإنما الأمن الجماعي للقارة بأكملها، ويفتح المجال أمام الإرهاب والجريمة المنظمة والإتجار غير المشروع بالأسلحة وتنامي التدخّلات الأجنبية.
وتؤكّد مواقف الجزائر، عبر السفير محمد خالد، أهمية إعطاء الأولوية للوقاية من النزاعات والوساطة والحوار السياسي وتسوية الخلافات بالطرق السلمية، مع تعزيز قدرة الاتحاد الإفريقي على الاضطلاع بدوره في حلّ الأزمات التي تعصف بعدد من دول القارة.
معالجة أسباب النزاع
تقوم الرؤية الجزائرية على فكرة أساسية مفادها أنّ إسكات البنادق لا يعني فقط وقف إطلاق النار، وإنما بناء السلام المستدام، فوقف الأعمال القتالية قد يمثل بداية للحل، لكنه يحتاج إلى مسار سياسي ومؤسّساتي يضمن عدم تجدّد النزاع.
ولذلك تدفع الجزائر باتجاه معالجة الأسباب السياسية والاقتصادية والاجتماعية، التي تقف خلف النزاعات، وإعادة بناء مؤسّسات الدولة، وتعزيز التنمية، وترسيخ المصالحات الوطنية.
وهنا تتقاطع الرؤية الجزائرية مع فلسفة الاتحاد الإفريقي في الانتقال من مفهوم إدارة النزاعات إلى مفهوم منعها وبناء السلام، انطلاقاً من أنّ التنمية والاستقرار عنصران متلازمان في بناء الأمن القاري.
حلول إفريقية المنشأ والقيادة
من أبرز الرسائل التي تحملها الدبلوماسية الجزائرية داخل مجلس السلم والأمن، التأكيد على ضرورة أن تكون الحلول إفريقية المنشأ والقيادة، فالجزائر تنظر إلى الاتحاد الإفريقي باعتباره الإطار الطبيعي لمعالجة الأزمات القارية، وترى أنّ تعزيز الوساطة الرفريقية وقدرات الاتحاد في مجال الإنذار المبكّر ومنع النزاعات، من شأنه أن يحدّ من تدويل الأزمات ويمنح الدول الإفريقية مساحة أوسع لصناعة حلولها.
وفي هذا السياق، لا تنظر الجزائر إلى إسكات البنادق باعتباره مسؤولية مجلس السلم والأمن وحده، وإنما باعتباره مسؤولية جماعية تتطلّب تنسيقاً بين الاتحاد الإفريقي والمجموعات الاقتصادية الإقليمية والدول الأعضاء، بما يسمح بتكامل الجهود وتفادي ازدواجية المبادرات.
منطقة الساحل في قلب المعادلة
تبرز منطقة الساحل كأحد أهم الاختبارات أمام مشروع إسكات البنادق في إفريقيا. فانتشار الجماعات الإرهابية، وتنامي الجريمة المنظمة، والأوضاع السياسية الهشة، كلها عوامل جعلت المنطقة إحدى أكثر مناطق القارة تعقيداً من الناحية الأمنية.
وتؤكّد الجزائر، من خلال حضورها في مؤسّسات الاتحاد الإفريقي، أنّ المقاربة الأمنية وحدها لا تكفي لمواجهة هذه التحديات، وأنّ مكافحة الإرهاب ينبغي أن تترافق مع معالجة جذور الهشاشة، ودعم التنمية، وتعزيز مؤسّسات الدولة، وتكثيف التعاون بين الدول الإفريقية.
وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة بالنسبة للجزائر بحكم موقعها الجغرافي وخبرتها الطويلة في مكافحة الإرهاب، ما يجعل استقرار منطقة الساحل جزءاً أساسياً من منظومة الأمن في شمال إفريقيا.
إسكات أسباب الحرب
يكمن جوهر الموقف الجزائري في الانتقال من إسكات صوت السلاح إلى معالجة الأسباب التي تدفع إلى حمله، وهذا يعني، في القراءة السياسية للمواقف الجزائرية، أنّ السلام لا ينبغي أن يُفهم باعتباره مجرّد غياب للحرب، وإنما باعتباره مساراً متكاملاً يبدأ بوقف القتال، ثمّ إطلاق الحوار، وصولاً إلى المصالحة وإعادة بناء الدولة وتحقيق التنمية.
ومن هنا تأتي أهمية التأكيد على الوقاية من النزاعات، لأنّ الكلفة السياسية والاقتصادية والإنسانية للحرب تتضاعف عندما تتأخّر الدبلوماسية في التدخّل.
وترتبط مسألة إسكات البنادق، في الرؤية الجزائرية، بمبدأ آخر لا يقل أهمية، وهو احترام سيادة الدول ووحدتها وسلامة أراضيها، فالجزائر تعتبر أنّ احترام مبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة والقانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي يمثل أساساً لا غنى عنه لبناء نظام أمني إفريقي مستقر.
وبالتالي، فإنّ إنهاء النزاعات ينبغي أن يقوم على الحوار بين الأطراف المعنية واحترام الإرادة السيادية للدول والشعوب، بما يحول دون فرض ترتيبات سياسية من الخارج أو تحويل الأزمات إلى مدخل لإعادة رسم التوازنات الإقليمية.
دبلوماسية السلام
لا تأتي رئاسة الجزائر لمجلس السلم والأمن في سياق عادي، فالقارة تواجه في الوقت نفسه تحديات الإرهاب والتطرّف العنيف والنزاعات الداخلية والتغيّرات المناخية والأزمات الإنسانية، فضلاً عن تداعيات الصراعات الدولية.
وعليه، يمثل الحضور الجزائري داخل المجلس، فرصة لدفع أجندة السلام والوقاية من النزاعات إلى الواجهة، والتأكيد على أنّ الأمن القاري لا يمكن أن يتحقّق من دون تعاون إفريقي فعّال وإرادة سياسية جماعية.
كما تمنح الرئاسة الجزائرية مجالاً للمساهمة في تعزيز التنسيق بين مختلف الآليات الرفريقية، وتطوير الوساطة، ودعم التسويات السياسية، بما يخدم الهدف القاري الأكبر المتمثل في إسكات البنادق.
في المحصلة، تكشف مواقف الجزائر، كما تعكسها مداخلات سفيرها محمد خالد داخل مجلس السلم والأمن، عن مقاربة تقوم على ثلاثية واضحة: الوقاية من النزاعات، وأولوية الحلول السياسية، وتعزيز الملكية الإفريقية لمسارات السلام.
وإذا كان الاتحاد الإفريقي قد جعل من إسكات البنادق هدفاً استراتيجياً، فإنّ التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذا الهدف إلى واقع ميداني. وهنا تراهن الجزائر على الدبلوماسية والحوار والوساطة، بالتوازي مع معالجة الأسباب العميقة للنزاعات.
فالقارة الإفريقية تحتاج إلى بناء الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية، التي تجعل العودة إلى الحرب أقل احتمالاً، من خلال ترسيخ ثقافة الحوار والتفاوض، وتعزيز مسارات المصالحة الوطنية، ودعم مؤسّسات الدولة، ومعالجة أسباب الهشاشة والفقر والتهميش، التي تغذي النزاعات. فاستدامة السلام تظل مرتبطة بقدرة الدول على توفير مقومات الاستقرار والتنمية، وتحويل وقف إطلاق النار من محطة مؤقتة إلى مسار متكامل لبناء السلام وترسيخ الأمن.
وفي هذا المسار، يبرز احترام سيادة الدول ووحدتها وسلامة أراضيها، إلى جانب تعزيز قدرة المؤسّسات والآليات الإفريقية على قيادة جهود الوساطة وتسوية النزاعات، فتمكين الأفارقة من صناعة حلول أزماتهم بأنفسهم يرسّخ الملكية الإفريقية لمسارات السلام، ويمنح الاتحاد الإفريقي دوراً أكثر فاعلية في الوقاية من النزاعات وإدارتها، بما يفتح الطريق أمام قارة أكثر استقراراً وقدرة على مواجهة التحديات المشتركة.



