سوناطــــراك.. سونلغـــاز وكوسيــدار نمـــاذج رائــدة للتعـــاون الإفريقـــي
شراكـــات تنمويـــة مستدامــــة جوهرهـــا التعــاون وتقــاسم المنافــــــع
إفريقيـــا المستقبـــــل تبنيهــا ســواعد الأفارقـــة.. الاستثمـار الواعــد
أكّد رئيس المركز العربي الإفريقي للاستثمار والتطوير، أمين بوطالبي، أنّ الجزائر ترسّخ اليوم حضورا قويا وتاريخيا في عمق القارة الإفريقية، وتحولت إلى قوة محورية تقود مسار الاندماج الإفريقي بثقة، وتساهم بجدية في مساعدة الدول الشقيقة على النهوض بقطاعاتها الاقتصادية والطاقوية، وأوضح أنّ الجزائر، بما تمتلك من خبرة متراكمة ومكانة مرموقة، تنتقل من الدبلوماسية التقليدية إلى دبلوماسية اقتصادية واعدة للقارة السّمراء، تجعل من تقاسم المنافع ونقل التكنولوجيا وبناء الشراكات المستدامة جوهر علاقاتها مع محيطها الإفريقي.
– “الشعب”: أصبحت الجزائر شريكا تنمويا وصناعيا واعدا لإفريقيا، وآخر مظاهر ذلك ضخّ النفط من النيجر، كما أنها تعتبر إفريقيا فضاء للتكامل والشراكة المستدامة. ما هي قراءتكم لهذا التوجه الاستراتيجي؟
رئيس المركز العربي الإفريقي للاستثمار والتطوير أمين بوطالبي: تلعب الجزائر اليوم، دورا تاريخيا مهما في المحور الإفريقي، ولا نقول إنّ الجزائر عادت إلى إفريقيا، ولكن نقول إنّ الجزائر تعود اقتصاديا إلى إفريقيا؛ لأنها كانت تمارس دبلوماسية تقليدية منذ سنوات، والآن أصبحت تمارس دبلوماسية اقتصادية واعدة، حيث تبحث عن شركاء، وتسعى إلى صناعة تكامل اقتصادي وتعزيز التجارة البينية بين مختلف الدول الإفريقية.. لاحظنا ذلك من خلال الزيارات المختلفة لرؤساء الدول الإفريقية إلى الجزائر، حيث أن كل زيارة للجزائر تتوّج باتفاقيات واعدة، وقد تم توقيع أكثر من 15 أو 19 اتفاقية بين الجزائر ودول إفريقية، وكانت هذه الاتفاقيات بمثابة أطر لتعزيز التجارة، والبحث العلمي، والمنظومة الصناعية، بحكم أنّ الجزائر هي ثالث اقتصاد في إفريقيا.. كل هذا يندرج في إطار نقل التكنولوجيا مع الأشقاء الأفارقة، خاصة أنّ الجزائر تملك مكانة مرموقة وخبرة كبيرة في مجال الطاقة، سواء النفط والغاز أو المعادن، إضافة إلى الكهرباء والطاقات المتجدّدة، وهذه الخبرة تسعى الجزائر إلى نقلها، إلى جانب خبرتها في الصناعة المنجمية، والتكوين المهني، والتعليم العالي، والمؤسّسات الناشئة، والصناعات الصيدلانية والغذائية والعديد من المجالات التي تعزّز الحضور الجزائري في إفريقيا. وبالتالي، أصبحت الجزائر شريكا أساسيا مع العديد من الدول، مثل موريتانيا التي استطاعت الجزائر أن تبني معها فضاء كبيرا في المجال الطاقوي، وفي مجال الاكتشافات، وكذلك المجال المنجمي، كما تم فتح معبر مهم مع موريتانيا، بما يعزّز الشراكة الإفريقية والتجارة البينية الإفريقية في إطار منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، ويعزّز حضور المنتجات والخدمات والأشخاص وتنقلهم عبر مختلف بلدان غرب إفريقيا وصولا إلى الشمال، وهذا أمر مهم، خاصة أنّ الجزائر مولت هذا الطريق لمسافة تقارب 980 كيلومترا، إلى جانب تعزيز الاستثمار في الصناعة المنجمية، والمشاركة في المجال البحري والصيد البحري.. كل هذا سيعزّز الشراكة الجزائرية الإفريقية مع مختلف شركائها في إفريقيا، وهذا ما لاحظناه خلال الفترة الأخيرة، من خلال تحرك محسوس مع الدول الجارة، مثل النيجر، وكذلك تشاد، وقريبا مالي التي توجد بها حقول واكتشافات مهمة بالشراكة مع سوناطراك في مجال البترول والغاز، إضافة إلى المواد المنجمية التي يحتاجها العالم اليوم، وربما يعرف كثيرون أنّ اليورانيوم موجود في النيجر، والصناعة المنجمية، من شأنها أن تحدث تطورا كبيرا جدّا في النيجر.. اليوم، صارت الشراكة حقيقية بعد تعزيز التعاون في المجال الكهربائي، من خلال وضع المضخة الكهربائية الشهر الماضي، كما أنّ هناك تأكيدا على تعزيز هذه الشراكة وتطوير العلاقة مع شركة سوناطراك، وكذلك في مجال اكتشاف كافرا، وهي مهمة لتعزيز الشراكة والتعاون البيني بين المؤسّسات الاقتصادية الإفريقية. وفي هذا الإطار يمكن الإشارة إلى مؤسّسات رائدة في إفريقيا في المجال الطاقوي، مثل سوناطراك وسونلغاز، وكذلك كوسيدار التي كانت سباقة إلى تعبيد الطرقات، وبناء مستشفى صغير، وإنجاز مدرستين في دولة النيجر، كل هذا يعزّز الشراكة مع الوكالة الدولية للتعاون، وبطبيعة الحال يعزّز الشراكة من أجل بناء اندماج إفريقي حقيقي.
– كيف ترون مستقبل المشاريع الجزائرية ذات البعد الإفريقي، خاصة المشاريع المرتبطة بالطرق والربط البري والطاقة والاتصالات، باعتبارها مشاريع ذات عائد اقتصادي للجزائر ودول القارة الإفريقية؟
في الوقت الحالي، المشاريع الجزائرية ذات البعد الإفريقي تنسجم مع أجندة إفريقيا 2063، والجزائر كانت من بين الدول التي أسّست الاتحاد الإفريقي، وتعمل بحرص كبير على تحقيق المبادرات الإفريقية وتحقيق أهداف التنمية للاتحاد الإفريقي، من خلال تعزيز الاندماج الإفريقي والشراكة الإفريقية، وعلما أنّ الجزائر كانت وما زالت شريكة مع مختلف الدول الإفريقية التي تملك طاقة؛ لأنها تحرص على تقاسم المنافع مع شركائها، ولا تتردّد في تقديم يد المساعدة لمن يحتاجها.. مثلا، كانت الجزائر شريكة مع أنغولا، وأوغندا، وموزمبيق، وتنزانيا، وإثيوبيا، والنيجر، وتشاد، وقريبا مالي وموريتانيا.. كل هذه الشراكات تعزّز الحضور الجزائري داخل العمق الإفريقي، وما هي سوى دليل على الاهتمام الكبير من الجانب الإفريقي بأهمية الجزائر والدور الذي تلعبه محوريا في القارة، خاصة بعد حضورها الهام وافتكاكها لمنصب نائب مفوّض الاتحاد الإفريقي، وكذلك فوزها برئاسة البرلمان الإفريقي، وحضورها في ملف التجارة البينية، ويرتقب أن تلعب على المستوى الاقتصادي دورا قويا خلال المرحلة المقبلة.
– ما هي المجالات التي يمكن أن تستفيد فيها الدول الإفريقية من التجربة الجزائرية، وكيف يمكن نقل هذه الخبرة لتعزيز التنمية في القارة؟
هناك العديد من المجالات التي تملك فيها الجزائر خبرات وتطورا لافتا، ويمكن أن تستفيد منها الدول الإفريقية، منها المجال الزراعي، والمجال الطاقوي، والمجال الكهربائي، والمجال المنجمي، وكل ما يتعلق بالتكنولوجيا؛ لأنّ الجزائر أصبحت اليوم سباقة ولها إمكانات كبيرة، بعدما كانت تستورد – على سبيل المثال – الإسمنت والحديد، أصبحت – في الوقت الحالي – من بين الدول الرائدة في إنتاج الحديد والإسمنت ومواد البناء، وهذه المنتجات يمكن تصديرها إلى مختلف الدول الإفريقية، وكذلك تعزيز الشراكة مع الدول الإفريقية من خلال المجالين المهمين، كما أنّ مجال البحث العلمي مهم بدوره، فالجامعات الجزائرية يمكنها، بالتعاون مع مختلف الجامعات الإفريقية، ومن خلال تعزيز البحث العلمي، أن تساهم في رفع مستويات تطلّعات المجتمعات الإفريقية إلى الأمام.. وهناك العديد من المجالات الأخرى، مثل الشركات الناشئة ودعم الشباب، وهي نقاط مهمة بالنسبة لإفريقيا التي يمثل الشباب فيها حوالي 83 بالمائة من السكان.
– ما هو الدور الذي تلعبه منطقة التجارة الحرّة القارية الإفريقية في تعزيز التجارة البينية وتمتين التبادل التجاري، وكيف تساهم الجزائر في تفعيل هذه الآلية؟
بخصوص منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، فقد صودق عليها عام 2018 وبدأت عمليا في 2020 أو 2021، بسبب تداعيات جائحة كوفيد-19، وكانت من بين أهم أهداف التنمية لبناء شراكة اقتصادية واجتماعية إفريقية، ولا يقتصر عمل منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية على التجارة وحدها، فالهدف أيضا جاذبية الاستثمار، وتعزيز التجارة، وتسهيل حركة الإنسان الإفريقي داخل البلدان الإفريقية، وفتح المعابر عبر الحدود الإفريقية، وكل هذا تابعته الجزائر، وعملت على فتح معابر اقتصادية تكون معزّزة تجاريا واستثماريا، ومعزّزة بتحرّك الساكنة الإفريقية، ولم تكتف الجزائر بفتح معبر بري واحد، إنما فتحت المعابر بريا وجعلتها اقتصادية أكثر، من خلال تعزيز الشراكة والاندماج الإفريقي الحقيقي بين الدول المجاورة، مثل تشاد والنيجر وموريتانيا، وقريبا مالي.
– بدأت الجزائر تتحول تدريجيا إلى منصة للتجارة والاستثمار بين شمال إفريقيا وعمقها الإفريقي، ما رأيكم في هذا التحول، وكيف يمكن تعزيزه؟
يمكن للجزائر أن تتحول إلى منصة مهمة ورائدة بين الشمال والجنوب، حيث تعد بوابة للفرص في إفريقيا، وهذا هو الشعار الذي اخترناه في المعرض الإفريقي للتجارة البينية الأخير، وكذلك فتح الأسواق من خلال الجزائر، وهو الشعار الذي اخترناه في منتدى إفريقيا للاستثمار والتجارة في طبعته الثانية عشرة، وينبغي التأكيد أنّ الجزائر – في الوقت الراهن – تلعب دورا مهما من خلال بوابتها نحو الشمال، لأنها تملك علاقات اقتصادية وتجارية وطاقوية قوية وتاريخية مع أوروبا، ويمكن أن تستفيد منها كل الدول الإفريقية لتعزيز هذه التجربة وهذه الشراكة، والمنتجات الجزائرية تدخل الأسواق الإفريقية ويبحث عنها في مختلف المجالات، والجميع يسأل: أين يمكن أن نعزّز هذه الشراكة؟
– هل توجد معارض هامة للمنتجات الجزائرية في الدول الإفريقية خلال عام 2026، وماذا قدّمت هذه المعارض حتى اليوم من فرص وشراكات؟
هناك العديد من المعارض والجهات المشاركة في مختلف المعارض الإفريقية، منها المعرض الإفريقي للتجارة البينية، وكذلك معرض نيجيريا، ومعرض إثيوبيا، ومعارض أخرى مثل معرض تنزانيا ومعرض موزمبيق.. كل هذه المعارض كانت وما زالت مهمة بالنسبة إلى الخريطة الاستثمارية، إضافة إلى معرض القاهرة، ومعرض ليبيا، ومعرض تونس، ومعرض نواكشوط، ومعرض السنغال، إلى جانب معرض النيجر ومعرض تشاد، وكل هذه المعارض من شأنها أن تعزّز حضور المنتجات الجزائرية في مختلف الدول الإفريقية.. يمكن القول إنّ الجزائر استطاعت أن تحلّق عاليا في الفترة الأخيرة، خاصة أنها فتحت فضاءات كبيرة مع الدول الإفريقية، وأهم شيء يعزّز التجارة والاستثمار والحضور هو النقل.
لوجستيا، الجزائر حاضرة بقوة من خلال الخطوط الجوية الجزائرية، التي فتحت تسعة خطوط جوية تقريبا عام 2026.. هذه الخطوط ربما لم تكن موجودة من قبل، ومنها خطوط نحو جنوب إفريقيا، وأديس أبابا، وتشاد، ونيجيريا، والغابون، والكونغو برازافيل، إضافة إلى خطوط أخرى نحو أنغولا ورواندا.. كل هذه الخطوط التي فُتحت مهمة، وكذلك الخطوط نحو موزمبيق وتنزانيا وزنجبار، وكل هذه الخطوط ستكون حاضرة خلال عام 2026، ونتمنى أيضا أن تكون كمبالا في أوغندا وكينيا حاضرتين بخطين مهمين لتعزيز الاندماج الإفريقي.. كما تمّ فتح معبر برّي عبر موريتانيا، ومعبر عبر النيجر، وأيضا ممرّ بحري، فقد تم فتح الممر البحري مع نواكشوط، وداكار، وكوت ديفوار وأبيدجان، ولومي، وبنين وكوتونو، وكل هذا يعزّز الشراكة ويعزّز حضور السلع والمنتجات الجزائرية في القارة الإفريقية.
– كيف تقيمون الشراكة بين الجزائر إفريقيا اليوم، وما هو الدور الذي يلعبه المركز العربي الإفريقي للاستثمار والتطوير في تعزيز هذا المسار؟
أعتقد أنّ الشراكة الحقيقية بين الجزائر وإفريقيا اليوم، تتجسّد من خلال النجاحات التي تحقّقها الجزائر يوما بعد يوم، ومن خلال الحضور الجزائري في مختلف المحافل الدولية، وكذلك من خلال لعب دور مهم في الدبلوماسية الاقتصادية.. هنا يبرز حضور المنتديات والمراكز، مثل المركز العربي الإفريقي للاستثمار والتطوير، الذي يعزّز الشراكة والتجارة البينية، والذي بدأ العمل على هذا المسار منذ عام 2008، من أجل إعطاء زخم كبير للعلاقات مع البلدان الإفريقية، وتعزيز حضور المنتجات الجزائرية والتعريف بها في البلدان الإفريقية، وذلك من جنوب إفريقيا إلى الجزائر، ومن مصر إلى موريتانيا، ومن داكار إلى غاية الصومال.. كل هذه الدول تحتاج المنتجات الجزائرية، وتحتاج الخبرة الجزائرية، وتحتاج تعزيز الشراكة الحقيقية وبذل مزيد من الجهود لبناء إفريقيا واعدة؛ لأنّ إفريقيا هي المستقبل، ولا يخفى على الجميع، أنّ العالم كله يبحث عن الثروات، والثروات كلها موجودة في إفريقيا، وأعتقد أنّ إفريقيا لا يبنيها إلا الأفارقة، ولا يمكن أن يعزّز هذه الشراكة سوى أبناء إفريقيا المخلصين، والجزائر دائما مخلصة وتحظى بموثوقية في تعاملها مع كل البلدان الإفريقية، وهذا يؤكّده المركز العربي الإفريقي للاستثمار والتطوير في كل مرة، من خلال الملتقيات التي ينظّمها، والندوات التي يعقدها، والزيارات الميدانية التي ينظّمها إلى مختلف الدول الإفريقية، وقد شملت هذه الزيارات أنغولا، ورواندا، وجنوب السودان، وليبيا، وتونس، والنيجر، وتشاد، وغانا، وكوت ديفوار، والسنغال، وغينيا كوناكري، وموريتانيا، ومالي، وكل هذه المشاركات كانت في البلدان الإفريقية، كما كانت هناك مشاركات من خلال ملتقيات دولية، مثل منتدى الصين وإفريقيا، ومنتدى روسيا وإفريقيا، ومنتدى تركيا وإفريقيا، ومنتدى أوروبا وإفريقيا، ومنتدى كندا وإفريقيا، ومنتدى أمريكا وإفريقيا، كل هذه المشاركات تهدف إلى تعزيز شراكة اقتصادية حقيقية، وتعزيز حضور المنتجات الجزائرية في القارة السّمراء.







