تتجّه السياحة الجزائرية نحو مرحلة يتعزّز فيها دور القطاع كرافد للتنويع الاقتصادي وخلق الثروة وفرص العمل، مدفوعة بتنوّع استثنائي في المقومات الطبيعية والثقافية، وإرادة لتطوير السياحة الداخلية واستقطاب مزيد من الزوار الأجانب، ويمنح هذا التنوّع الجزائر فرصة لبناء صناعة سياحية أكثر تنافسية، تجمع بين السياحة الساحلية والجبلية والصحراوية والثقافية والحمّوية، وتمتد على مدار العام.
وتبرز السياحة الصحراوية كأحد المجالات الواعدة، بالنظر إلى ما تزخر به مناطق الجنوب من مناظر طبيعية فريدة ومواقع أثرية ومسارات استكشافية وموروث ثقافي متنوّع، وقد استقطبت ولاية إيليزي خلال موسم السياحة الصحراوية الممتد من أكتوبر 2025 إلى أبريل 2026 نحو 19 ألفا و755 سائحا، بينهم أكثر من 8 آلاف سائح أجنبي، وهي مؤشرات تعكس تنامي الاهتمام بالوجهات الصحراوية الجزائرية، كما تساهم التسهيلات الموجهة للسياح الأجانب، خصوصا المتعلقة بإجراءات الدخول إلى مناطق الجنوب، في تعزيز جاذبية هذه الوجهات.
وتحتل السياحة الداخلية موقعا محوريا في الاستراتيجية المقبلة، باعتبارها قاعدة أساسية لاستقرار النشاط وتقليص طابعه الموسمي. ويتيح تنوّع الوجهات الوطنية للعائلات الجزائرية خيارات واسعة، من الشواطئ إلى الجبال والغابات والواحات والصحراء، فيما يسمح تحسين الإقامة والخدمات بتحفيز الطلب الداخلي وتوسيع دائرة المستفيدين من النشاط السياحي.
وفي موازاة ذلك، يجري العمل على رفع قدرات الإيواء وتحسين جودة الخدمات، فقد بلغت الطاقة الفندقية في المناطق الساحلية خلال صيف 2026 نحو 104 آلاف سرير موزعة على 901 مؤسسة، مع دخول 39 منشأة جديدة حيز الخدمة، ضمن هدف يرمي إلى بلوغ 220 ألف سرير في أفق 2029، ويشكل هذا التوسّع قاعدة ضرورية لاستيعاب النمو المتوقّع في أعداد السياح.
وتبرز الرقمنة والتكوين كعاملين حاسمين في رفع تنافسية القطاع، فقد شرعت نسبة معتبرة من المؤسسات السياحية الساحلية في رقمنة الحجز والدفع الإلكتروني، بينما شهدت الفترة الأخيرة تكوين آلاف المرشدين والحرفيين والمسيرين في المؤسسات الفندقية ووكالات السياحة والأسفار. ويؤكد ذلك أن تطوير السياحة يحتاج إلى الاستثمار في الإنسان بنفس أهمية الاستثمار في المنشآت.
وتتيح الصناعة التقليدية والإيواء لدى الساكن إمكانات واسعة لدمج المجتمعات المحلية في الدورة الاقتصادية للسياحة، وتحويل التراث والمنتجات المحلية إلى عناصر جذب ومصادر دخل إضافية، وتبرز المناطق الجبلية والغابية نموذجا مهما لهذا التوجّه، بما توفره من فرص للسياحة البيئية والحمّوية والتخييم والاستكشاف.
ويأتي هدف استقطاب 8 ملايين سائح خلال المرحلة المقبلة، ليعكس طموحا واضحا لتحويل الجزائر إلى وجهة أكثر حضورا على الخريطة السياحية الإقليمية والدولية، ويتطلّب تحقيق ذلك تطوير البنية التحتية، وتحسين الخدمات، وتسهيل الوصول إلى الوجهات، وتعزيز التسويق الرقمي، وبناء منتجات سياحية متكاملة تستثمر التنوع الطبيعي والثقافي للبلاد.
وتملك الجزائر بذلك مقومات قوية لصناعة سياحية ذات قيمة مضافة، غير أن الرهان الحقيقي يكمن في تحويل هذه الثروة المتنوعة إلى تجارب ومنتجات قابلة للتسويق، مع ضمان جودة الخدمات واستدامة الموارد. ومع تضافر الاستثمار والتكوين والرقمنة والترويج، يمكن للسياحة أن تتحول تدريجيا إلى إحدى القاطرات الجديدة للنمو، وأن تمنح المناطق المحلية دورا أكبر في خلق الثروة وفرص العمل.

