التنبؤ بالمخاطر ثقافة مهنية والجاهزية لا تُبنى لحظة وقوع المحظور
تدريب كوادر السياحة مفتاح النجاة من فخّ الأزمات السياحية
تفرض التحوّلات المتسارعة التي يشهدها قطاع السياحة والسفر تحديات متزايدة على الفاعلين والمهنيين، حيث باتت السلامة وإدارة المخاطر معيارا أساسيا لقياس احترافية المؤسسات وجودة خدماتها.. وفي ظلّ تنوّع الطوارئ المحتملة، من الحوادث وتعطّل الرحلات إلى المخاطر الصحية وتداعيات النشر عبر منصات التواصل الاجتماعي، تبرز الحاجة إلى الانتقال بالنشاط السياحي من منطق ردود الفعل اللحظية والارتجال، إلى ثقافة الاستشراف والتخطيط الوقائي المسبق.. في هذا الحوار الخاص بجريدة “الشعب”، يسلّط الخبير زهير مقداد الضوء على محورية إدماج خطط إدارة الطوارئ في صلب منظومة عمل وكالات السياحة والأسفار الجزائرية..
«الشعب”: ما أهمية إدماج إدارة الأزمات في عمل وكالات السياحة والأسفار؟
زهير مقداد: إدارة الأزمات لم تعد موضوعا ثانويا في النشاط السياحي، فقد أصبحت جزءا من المهنية وجودة الخدمة، فالوكالة لا تبيع تذكرة أو برنامجا سياحيا فقط، وإنما تتحمّل مسؤولية تنظيم رحلة قد تواجه خلالها ظروفا غير متوّقعة، لذلك، فإن وجود منهج واضح لإدارة الطوارئ يساعد الوكالة على الانتقال من رد الفعل إلى الاستعداد المسبق، ويجعلها أكثر قدرة على حماية الزبون، وتقليل الخسائر، والحفاظ على استمرارية النشاط.
– ما أبرز المخاطر التي تواجه الرحلات السياحية اليوم؟
المخاطر أصبحت متنوّعة ومتداخلة، ولا يمكن حصرها في نوع واحد، هناك المخاطر الصحية، والحوادث، وتعطّل وسائل النقل، والظروف الجوية والمناخية، وضياع الوثائق أو الأمتعة، والمشكلات المرتبطة بالإقامة، إضافة إلى الازدحام والتأخّر وإلغاء الرحلات.. كما أن هناك مخاطر جديدة مرتبطة بالاتصال والسمعة، خصوصا مع وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يمكن لمشكلة صغيرة أثناء الرحلة أن تتحوّل في وقت قصير إلى أزمة إعلامية تؤثر على صورة الوكالة.
– هل الوكالات السياحية الجزائرية مستعدّة للتعامل مع الحالات الطارئة؟
من الصعب إصدار حكم عام على جميع الوكالات، لأن مستوى الجاهزية يختلف من وكالة إلى أخرى حسب خبرتها، وإمكاناتها، وتنظيمها الداخلي، لكنني أعتقد أن هناك حاجة حقيقية إلى ترسيخ ثقافة إدارة الطوارئ والأزمات داخل الوكالات السياحية الجزائرية، بحيث لا تبقى المعالجة مرتبطة فقط بالخبرة الشخصية للمسير أو الموظف، وإنما تصبح جزءا من نظام عمل مكتوب ومدرب عليه، وهنا يأتي دور التكوين، لأن الاستعداد الحقيقي لا يبدأ لحظة وقوع الأزمة، وإنما يبدأ قبلها بكثير.
– ما أهم الإجراءات التي يجب اتخاذها قبل انطلاق الرحلة؟
القاعدة الأساسية هي: اعرف المخاطر قبل أن تبدأ الرحلة، لذلك يجب على الوكالة إعداد دراسة طبيعة الرحلة والوجهة وعدد المشاركين، والتأكد من المعلومات المتعلقة بالنقل والإقامة والبرنامج، وتحديد الحالات الطارئة المحتملة، وإعداد قائمة بأرقام الاتصال الضرورية، كما يجب تحديد المسؤوليات بوضوح: من يتخذ القرار؟ من يتواصل مع الزبائن؟ من يتصل بالشريك المحلي؟ ومن يتولى توثيق الحادثة؟.. ويجب أيضا تعريف المشاركين بالإجراءات التي ينبغي اتباعها عند حدوث طارئ.
– كيف يمكن للوكالة التعامل مع الزبون أثناء الأزمة؟
في لحظة الأزمة، يحتاج الزبون قبل كل شيء إلى المعلومة الصحيحة والطمأنينة والشعور بأن هناك من يتولى إدارة الوضع، لذلك يجب أن يكون التواصل سريعا، واضحا، صادقا ومنظما، مع تجنب المعلومات المتناقضة أو الوعود التي لا تستطيع الوكالة الوفاء بها.
والقاعدة المهمة هنا هي: لا تختفِ عندما تحدث المشكلة.. وجود الوكالة وتواصلها المستمر مع الزبون أثناء الأزمة يمكن أن يحوّل موقفا صعبا إلى دليل على احترافيتها.
– ما دور التكوين في رفع جاهزية العاملين في القطاع السياحي؟
التكوين هو أحد أهم عناصر الجاهزية، فلا يمكن أن نطلب من الموظف أو مسؤول الرحلة أن يتصرّف بشكل صحيح أثناء أزمة لم يتدرب عليها من قبل، والتكوين في إدارة الأزمات يجب ألا يكون نظريا فقط، بل يجب أن يعتمد أيضا على دراسة الحالات والمحاكاة والتمارين التطبيقية.
نحن في الدورة التكوينية نحاول الانتقال من سؤال ماذا نفعل إذا وقعت الأزمة؟ إلى سؤال أكثر أهمية ماذا أعددنا قبل وقوعها؟
– كيف تساهم خطّة الطوارئ في حماية الزبون والوكالة؟
خطّة الطوارئ تمنح الوكالة إطارا واضحا للتصرّف بدل الارتجال، فهي تحدّد المخاطر المحتملة، والإجراءات الواجب اتباعها، والمسؤوليات، ووسائل الاتصال، والجهات التي يجب التواصل معها، وآليات التعامل مع الزبائن، وكيفية توثيق الحادثة وتقييمها بعد انتهائها، وبالتالي، فهي تحمي الطرفين: تحمي الزبون من الفوضى والارتباك، وتحمي الوكالة من القرارات العشوائية وفقدان السيطرة على الأزمة.
– ما أهمية وجود شبكة من الشركاء وجهات الاتصال في حالات الطوارئ؟
أثناء الأزمة، الوقت عنصر حاسم، ولذلك لا يمكن للوكالة أن تبدأ في البحث عن أرقام الاتصال والشركاء في اللحظة التي تقع فيها المشكلة.. يجب أن تكون لديها مسبقا شبكة اتصال تضمّ، حسب طبيعة الوجهة والرحلة، شركاء النقل والإقامة، والمرشدين والمرافقين، والجهات الصحية والأمنية المختصة، ومقدمي الخدمات المحليين وغيرها من الجهات ذات العلاقة.
– كيف يمكن الحفاظ على ثقة الزبون وسمعة الوكالة أثناء الأزمة؟
الثقة لا تبنى عندما تقع الأزمة، وإنما تبنى قبلها، ولكن الأزمة تكشف مدى قوة هذه الثقة، والحفاظ على السمعة يتطلّب أولا وضع سلامة الزبون في مقدمة الأولويات، ثم التواصل بشفافية، والاعتراف بالمشكلة عندما تقع، وتقديم حلول عملية، وعدم إخفاء المعلومات أو تحميل المسؤولية للآخرين بطريقة غير مهنية.
وفي عصر وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت طريقة إدارة الأزمة جزءا من صورة الوكالة، وقد تتذكر الناس كيف تعاملت الوكالة مع المشكلة أكثر مما يتذكرون المشكلة نفسها.
– ما الرسالة التي توجهونها لمهنيي السياحة حول ثقافة الاستعداد للطوارئ؟
رسالتي بسيطة “لا تنتظروا وقوع الأزمة حتى تتعلّموا كيف تتعاملون معها”، إدارة الطوارئ ليست تشاؤما، وليست توقعا دائما لوقوع الكوارث، وإنما هي جزء من المسؤولية المهنية.
كل وكالة سياحية يجب أن تسأل نفسها: ماذا سنفعل إذا تعطلت الرحلة؟ ماذا سنفعل إذا تعرض أحد الزبائن لوعكة صحية؟ ماذا سنفعل إذا وقع حادث؟ ماذا سنفعل إذا فقد أحد المشاركين وثائقه؟ ومن سيتخذ القرار؟ ومن سيتواصل مع الزبائن؟
إذا كانت الوكالة تستطيع الإجابة عن هذه الأسئلة قبل وقوع المشكلة، فهي قطعت شوطا مهما في طريق الجاهزية.
وأعتقد أن المرحلة المقبلة يجب أن تشهد انتقالا من ثقافة معالجة المشاكل عند وقوعها إلى ثقافة التنبؤ بالمخاطر والاستعداد لها، وهذا مهم جدا في أعمال الوكالات السياحية وهي منطقية جدا.






