في سجون الاحتلال الصهيوني، لا يحتاج الأسير إلى ساعة ليعرف أن يوما استثنائيا قد بدأ، يكفي أن يعلو وقع الأحذية العسكرية في الممرات، وأن يختلط صرير الأبواب الحديدية بأوامر السجانين الحادة، حتى يدرك أن حملة تفتيش في طريقها إلى الغرفة.
في الخارج، يبدو التفتيش إجراء أمنيا عاديا، أما داخل السجن فهو عملية عقابية متكاملة، هدفها ليس البحث عن ممنوعات، بل هدفها بث الخوف والذعر، وإشعار الأسير بأن حياته كلها خاضعة لسلطة السجان.
تُفتح الأبواب بعنف، وتقتحم وحدات القمع الزنازين مدججة بالدروع والهراوات، والأسلحة التي تطلق المطاط الحارق، ترافقها الكلاب البوليسية، التي تعلوا أجساد الأسرى، وتهاجمهم، والمكثير ممن أصيبوا بالكسور بسببها.
يُلقى الأسرى على مغادرة الغرفة بسرعة، أو الوقوف لساعات في الساحات أو الممرات، وأيديهم خلف رؤوسهم، فيما تبدأ مرحلة أخرى من العقابداخل الغرفة، لا يبقى شيء في مكانه، تُقلب الفرشات، وتُبعثر الملابس، وتُلقى الأغطية على الأرض، ويفتش القرآن صفحةً صفحة، بينما ينثر الطعام على الأرض رغم قلته وندرته، ولدن الهدف إذلال الأسير وقهره.
وحين يُسمح للأسرى بالعودة، يعودون كما خرجوا سحلا وضربا وتنكيلا، ويجدون غرفتهم كساحة حرب، كل شيء مبعثر، والجدران التي كانت تمنحهم شيئا من الألفة تبدو وكأنها تعرضت لإعصار، يقضون ساعات في إعادة ترتيب المكان، وجمع الكتب والأوراق، وإصلاح ما يمكن إصلاحه، وهم يدركون أن حملة أخرى قد تأتي في أي لحظة.
لكن أكثر ما يؤلم في التفتيش ليس الفوضى التي يخلفها، ولا المقتنيات التي تُصادر، بل الرسالة التي يسعى الاحتلال إلى ترسيخها: أن الأسير لا يملك شيئا، حتى تفاصيله الصغيرة، وأن الشعور بالأمان ممنوع خلف القضبان.
ومع ذلك، يصر الأسرى في كل مرة على الرد بطريقتهم الخاصة، يتقاسمون ما تبقى من طعام، ويتبادلون النكت والضحكات، فهي طريقة للنجاة في وسط هذا الطوفان، ويعيدون ترتيب الزنزانة كما لو أنهم يعيدون ترميم جزء من ذواتهم، فكل غرض يُعاد إلى مكانه هو إعلان صامت بأن إرادتهم ما زالت عصية على الكسر.
ومنذ السابع من أكتوبر 2023، تحوّلت حملات التفتيش إلى سياسة يومية أكثر عنفا وشدة، لم تعد مجرد إجراءات أمنية، بل أصبحت وسيلة للعقاب الجماعي، ترافقها اعتداءات جسدية، وتخريب متعمد للممتلكات، ومصادرة لأبسط مقومات الحياة، في إطار سياسة تستهدف إنهاك الأسرى نفسيا وجسديا.
ورغم ذلك، فإن كل حملة تفتيش تنتهي بالحقيقة ذاتها؛ يستطيع السجان أن يقلب الزنزانة رأسغ على عقب، وأن يصادر كتابا أو مسبحة للذكر أو بطانية، لكنه يعجز عن مصادرة التجربة التي صنعتها سنوات الأسر، أو انتزاع الإرادة التي جعلت من الزنزانة مدرسة للصبر والثبات.
في السجن، ينتهي التفتيش عندما يغادر السجانون، أما معركة الكرامة، فلا تنتهي أبد.






