لم يعد ينظر إلى قاع البحر باعتباره فضاء يخفي بقايا السفن والأشياء التي ابتلعها الزمن، بل أصبح مجالًا للبحث الأثري وقراءة صفحات من التاريخ. وفي الجزائر، تتجّه الجهود العلمية والمؤسساتية إلى حصر هذا التراث وتوثيقه وحمايته، في وقت تكشف فيه المواقع المغمورة عن شواهد مرتبطة بتاريخ البلاد وحركة الملاحة في المتوسط.
وفي هذا السياق، احتضن المتحف العمومي الوطني البحري، الخميس، معرضًا بعنوان «التراث الثقافي تحت الماء: ذاكرة تحت الماء»، احتفاءً باليوم الدولي للتراث الثقافي تحت الماء، الذي أقرته منظمة اليونسكو سنة 2025 وحددت 21 أوت من كل عام موعدا له. وتزامن المعرض مع تنظيم محاضرة بعنوان «أين يوجد حطام السفينة سفينكس؟»، نشطها الدكتور مهدي حماني، وتناول خلالها ملابسات غرق أول سفينة بخارية تابعة للبحرية الفرنسية، التي غرقت قبالة المرسى شرق الجزائر العاصمة سنة 1845.
واختار المتحف قبو خير الدين لاحتضان المعرض، بمشاركة المركز الوطني للبحث في علم الآثار والمركز الوطني للبحث والتنمية في الصيد البحري وتربية المائيات، في محاولة لجمع الجهود المرتبطة بالتعرف على الموروث الموجود تحت سطح البحر وحمايته. وتتجاوز مهمة المتحف العمومي الوطني البحري عرض القطع الأثرية المحفوظة، إذ يعمل على بناء قاعدة وطنية للتراث البحري، تشمل الممتلكات الثقافية التي ما تزال في مواقعها الأصلية تحت الماء، إلى جانب القطع التي استرجعت وأودعت لدى المؤسسات المختصة. ويأتي تطوير فرق الغوص واقتناء التجهيزات المهنية وإنشاء ورشة متخصّصة في الحفظ ضمن المسار نفسه، بما يسمح بالتعامل مع القطع المغمورة وفق أسس علمية تحميها من التلف.
وفي تصريحها لوسائل الاعلام، أوضحت مديرة المتحف العمومي الوطني البحري، آمال مقراني، أن الجزائر صادقت على اتفاقية اليونسكو لسنة 2001 الخاصة بحماية التراث الثقافي تحت الماء، معتبرة أن الاحتفال بهذا اليوم يشكل فرصة للتعريف بموروث لا يحظى دائما بالقدر نفسه من الاهتمام الذي يحظى به التراث الموجود على اليابسة.
وأكدت أن أهمية هذا الموروث تكمن في كونه جزءا من التاريخ المشترك للمتوسط والإنسانية، خاصة أن عددًا من الآثار المغمورة يرتبط بحطام سفن كانت تعبر بين مناطق مختلفة قبل أن تنتهي رحلاتها في أعماق البحر، وهو ما يجعلها تحمل معلومات عن طرق الملاحة والتبادل والعلاقات التي ربطت بين الشعوب عبر فترات تاريخية مختلفة.وأوضحت مقراني أن اختيار 21 أوت للاحتفال بهذا اليوم يرتبط ببعثة بحثية أنجزت سنة 2022، في إطار تعاون دولي شاركت فيه الجزائر، لدراسة موقع أثري في المياه التونسية عرف بغرق عدد كبير من السفن منذ العصور القديمة، بالنظر إلى طبيعته الجغرافية ووجود الصخور القريبة من سطح المياه. وقد اقتصرت أعمال الفرق المشاركة، التي اشتغلت على متن سفينة فرنسية، على عمليات المسح والرصد دون القيام بعمليات غوص.
أعماق البحر تحتفظ بشواهد تاريخية
من جانبه، استعرض رئيس مصلحة الحفظ والترميم بالمتحف، مصطفى علالي، أبرز المشاريع التي يعمل عليها المتحف في مجال جرد وتوثيق المواقع الأثرية المغمورة، مشيرًا إلى أن المؤسسة تعمل منذ سنوات على تكوين فريق متخصّص في الغوص وتطوير قدراتها التقنية والعلمية للتعامل مع هذا النوع من التراث.
وأوضح علالي أن من بين المواقع التي شملتها عمليات الجرد والتوثيق حطام سفينة مرصاد بمدينة دلس، إلى جانب موقع الهياكل الحجرية العشرة المكتشفة سنة 2005، فضلًا عن مشروع دراسة 23 مدفعا عثمانيا تقع قبالة شاطئ شنوة بتيبازة، على عمق يقارب ستة أمتار.
كما توقف عند تجربة استرجاع مدفع أُخرج بطريقة غير قانونية من ميناء بوسفر، موضحا أن فريق الغوص التابع للمتحف تنقل إلى الموقع لمعاينة القطعة وتشخيص حالتها، قبل أن تتم إعادتها إلى مكانها الأصلي. وشدد في هذا السياق على أن حماية التراث الثقافي تحت الماء تقوم أساسا على احترام موقع القطعة وسياقها الأثري، وعدم نقلها أو انتشالها إلا وفق الضرورة والمعايير العلمية المعتمدة.
وأشار علالي إلى أن حملات التحسيس والتعاون مع المواطنين والمؤسسات المحلية ساهمت في استرجاع عدد من القطع الأثرية القادمة من مواقع بحرية مختلفة، لاسيما تيبازة وبومرداس وخليج الجزائر وسيدي فرج.
وأوضح أن رصيد المتحف يضم قرابة 200 قطعة، خضعت لعمليات معالجة وحفظ، من بينها إزالة الأملاح بهدف تثبيتها والحد من تدهورها بعد خروجها من البيئة البحرية. وقد جرى جرد هذه القطع، فيما تعرض بعضها في قاعات المتحف، بينما تحفظ أخرى في المخازن وفق شروط مناسبة.
وتكشف هذه الجهود عن مسار يتجاوز مجرد العثور على القطع الأثرية، ليشمل حمايتها ودراسة سياقها وتوظيفها في قراءة التاريخ. فحطام السفن والمدافع والهياكل الحجرية المغمورة تمثل شواهد مادية على حركة الملاحة والتبادل والصراعات التي عرفها المتوسط، وتمنح الباحثين معطيات إضافية لفهم مراحل مختلفة من تاريخ الجزائر.
وبين ما استقر في قاع البحر وما استعيد وحُفظ داخل المتحف، تتشكل ذاكرة موازية للتاريخ المدون، ذاكرة تحفظها المياه منذ قرون وتعمل المؤسسات المختصة اليوم على إخراجها من دائرة المجهول، ليس بالضرورة عبر انتشالها، وإنما من خلال توثيقها وحمايتها ودراستها في مواقعها الأصلية.







