تأمــين التزويــــد بالمــاء الشـروب ومواكبـة الدخــول الاجتماعــي
ضمــان استمراريــة الخدمــة العموميـة وتلبيــة الاحتياجــات
عصرنــة تسيــــير مرفـــــق الميـــاه للحــدّ مـــن الأعطـــاب وتسريــع التدخّلات
تتأكّد اليوم المحورية الاستراتيجية لقطاع الري في الجزائر كركيزة أساسية للتنمية المستدامة والأمن المائي، لا سيما في ظلّ التحديات التي تفرضها التغيّرات المناخية وتقلّبات الظروف المناخية، حيث تسابق الوزارة الوصية الزمن لضبط كل الأمور التقنية والهيكلية وحتى البشرية، من أجل استدامة مواردها المائية وتنويع مصادرها لضمان تزويد المواطنين بالماء الشروب وتلبية الاحتياجات الوطنية المتزايدة، سيما لقطاعي الفلاحة والصناعة.
تكشف الديناميكية الميدانية الأخيرة التي يقودها وزير الرّي، لوناس بوزڤزة، عن مقاربة حكومية شاملة تعتمد على الاستشراف، والجاهزية المبكّرة، والسرعة في التنفيذ لضمان استمرارية الخدمة العمومية للمياه والتكفّل المباشر بانشغالات المواطنين، حيث تتجلّى هذه الرؤية الاستباقية في الحركية المكثفة للقطاع تحضيرا للدخول الاجتماعي 2026-2027، حيث وضعت الوزارة خطّة عملية ملزمة تقضي بضمان ربط كافة المؤسّسات الهيكلية والتعليمية والتكوينية الجديدة بشبكات التزويد بالمياه الصالحة للشرب وشبكات التطهير قبل دخولها حيّز الخدمة.
ويستند هذا المسعى إلى تنسيق ميداني وثيق مع السلطات المحلية والقطاعات المعنية لرفع التحفّظات وتأمين ظروف استقبال تمتاز بالانسيابية والجاهزية التامة عبر مختلف ربوع الوطن، من الولايات الشمالية إلى الولايات الجنوبية والفتية مثل تيميمون، وبني عباس، وبرج باجي مختار، وإن قزام، خاصة وأنّ هذا الدخول يتزامن مع موسم الخريف الذي سيعرف بحسب الخبراء ظواهر طبيعية متطرّفة بين ارتفاع لدرجات حرارة قياسية عاشها المواطن الجزائري منذ منتصف الصائفة، ونتج عنها حرائق، ناهيك عن توقّع تساقط كميات مطرية معتبرة في أوقات قصيرة قياسية ما يؤدّي إلى فيضانات، وهو ما تحاول الجهات الوصية بالتنسيق مع مختلف المتدخّلين التكيف معه وضمان الجاهزية لاحتواء آثارها والتخفيف من حدّتها على المواطن والبنى التحتية.
فعلى صعيد الصيانة والاستجابة للظروف الطارئة، يشكّل ضخّ غلاف مالي قدره 23 مليار دينار جزائري ضمن برنامج استعجالي جديد، تحولا نوعيا في قدرات التدخّل العملياتي، حيث تهدف الوزارة من هذا الاستثمار المباشر إلى اقتناء المعدات الكهروميكانيكية، والمولّدات، ومضخّات الري، وشاحنات الصهريج، للتكفّل السريع بالأعطاب وتحسين مردودية المنشآت.
وحرص الوزير المسؤول عن القطاع من خلال تواجده في الميدان تطبيقا لتعليمات رئيس الجمهورية، كما جرى في ولاية البليدة عبر إدخال محطة معالجة المياه بالعفرون حيّز الخدمة بطاقة 8.600 م3 يوميا، أنّ المتابعة لا تقتصر على القرارات المكتبية، بل تمتد لتسريع وتيرة المشاريع وتحسين انتظام التزويد بالماء الشروب بشكل ملموس، سيما بعد أن تبين له أنه على الرغم من الإمكانات الهائلة التي رصدتها الدولة فإنّ جميع بلديات المتيجة تعاني تقريبا من اجهاد مائي، بسبب اعتمادها على مصدر واحد وهي الآبار والتي انخفض منسوبها.
وعلى ضوء ذلك، شدّد بوزڤزة في تدخّلاته وتوجيهاته لدى دخول محطة معالجة المياه بالعفرون، وكذا محطة الضّخ بالشبلي وخزان سيدي سرحان، على تعزيز التزويد بالمياه سيما بالناحية الشرقية للولاية، والحرص كل الحرص على إيصال الماء للساكنة تدريجيا بعد دخول هذه المشاريع حيّز الخدمة والعمل باستمرار على تذليل المشاكل التقنية التي قد تحدث دون التسبب في عطش المواطن وظمئه، متعهّدا بحلول أخرى مستقبلا.
في المقابل، تعكف الجهات المسيّرة لمرفق الماء على اعتماد أنظمة رقمية ووسائل عصرية للتحكّم في تسيير المياه الصالحة للشرب، من خلال برامج ذكية تولّى تطويرها إطارات بشرية وطنية، بهدف تحسين تسيير الخدمة العمومية للماء من حيث التسيير الاستباقي وسرعة التدخّلات لمعالجة الاختلالات والأعطاب، وكذا تشغيل المضخّات، ونفس الأمر بالنسبة لخزانات المياه التي تم تزويدها بمستشعرات منسوب المياه المنخفض والمرتفع، ناهيك عن وضع صمّامات أمان ذكية من تعزيز تسيير شبكات المياه.
حملات تنظيف الأودية والمجاري المائية..
بالتوازي مع ذلك، ترتكز الاستراتيجية الوطنية على محورين حاسمين أولهما اتخاذ تدابير استباقية لمواجهة مخاطر الفيضانات قبل حلول موسمي الخريف والشتاء، عبر إطلاق حملات تنقية الأودية وتطهير المجاري المائية، بالتنسيق مع الديوان الوطني للتطهير والسلطات المحلية.
وبالفعل فقد بدأت التدخّلات الميدانية الوقائية لفرق الديوان الوطني للتطهير عبر مختلف المناطق، وكذا الفرق اليدوية لمواصلة تنقية البالوعات مع مراقبة النقاط السوداء بمختلف الأحياء والشوارع عبر بلديات الوطن، في إطار التحضيرات لموسم الخريف 2026، وذلك بهدف ضمان جاهزية شبكات التطهير والوقاية من الانسدادات خلال فترات تساقط الأمطار، وحسن سيرها والاستجابة السريعة لأي طارئ.
أما المحور الثاني فيتعلّق بالدفع بالمشاريع الهيكلية الاستراتيجية، بدءا من ربط محطات تحلية مياه البحر مثل كاب جنات وبجاية وتلمسان، مرورا بمشاريع التحويلات الكبرى بين السدود، وصولا إلى الدراسات المتقدّمة لربط مياه الجنوب بنظام «جنوب-جنوب» و»جنوب-هضاب عليا».
في المقابل شهد وادي الحراش تدفّق 400 مليون م3 من المياه ذات الجودة العالية عند التقاء وادي بابا علي باتجاه البحر، وذلك خلال الفترة الممتدة من نوفمبر 2025 إلى أفريل 2026، ما يفرض تسريع الاستفادة من إعادة تدوير المياه المستعملة عبر مختلف محطات التطهير، من أجل استعمالها مجدّدا ما سيخفّف الضغط على المياه التقليدية، وذلك بالرفع من طاقة تصفية المياه المستعملة واسترجاعها، مع تحديد هدف استغلال 60 بالمائة من الكمية المنتجة بحسب ما أمر به رئيس الجمهورية في عدة اجتماعات لمجالس الوزراء السابقة.
هذا الهدف المنشود لا يمكن أن يتحقّق إلا من خلال تعميم المعالجة الثلاثية لمحطات التطهير، وعصرنة المنشآت وإنجاز أنظمة تطهير جديدة وإعادة تأهيل المحطات الحالية، بهدف توجيه المياه المصفاة لاستخدامها في الري الفلاحي عوض المياه الجوفية، وكذا في النشاط الصناعي وقطاع البناء.
وتؤكّد هذه الحركية أنّ التكامل بين الحلول الاستعجالية السريعة، والمتابعة الميدانية للولايات، والمشاريع الكبرى طويلة المدى، أنّ قطاع الرّي يخطو خطوات ثابته نحو ترسيخ الأمن المائي والغذائي، وتأمين حماية المواطنين والممتلكات، بجعل المواطن دائما في صلب أولويات الخدمة العمومية، مع رفع مستوى التنسيق والتجنّد المبكّر لمختلف هياكل القطاع ومؤسّساته، بما يضمن جاهزية المنشآت واستمرارية الخدمة العمومية للمياه في أحسن الظروف.


