موثوقيـــة..وساطـــة فاعلـــة ودبلوماسيــة غـــــير منحـازة
لخصت تصريحات وزير الدولة، وزير الشؤون الخارجية، أحمد عطاف، أمام الدورة 166 لمجلس جامعة الدول العربية، واقعا إقليميا تتشابك فيه الأزمات وتتداخل تداعياتها الأمنية والسياسية والاقتصادية، بما يجعل التعامل معها بمواقف متفرقة وحلول ظرفية أقل قدرة على حماية مصالح الدول العربية. فاستمرار النزاعات واتساع التدخلات الخارجية أظهرا أن كلفة الانقسام لا تتوقف عند حدود الدول التي تشهد أزمات، وإنما تمتد آثارها إلى محيطها الإقليمي وإلى الأمن والاستقرار العربيين.
ما دافعت عنه الجزائر على مدى سنوات، من رفض التدخل في الشؤون الداخلية للدول والتمسك بالحلول الوطنية الجامعة، انتقل من موقف دبلوماسي ثابت إلى ضرورة تفرضها التجارب التي عاشتها المنطقة. فقد أظهرت أزمات عدة أن تدويل النزاعات الداخلية وإدخالها في حسابات القوى الخارجية يطيل أمد الصراع، ويعمق الانقسامات، ويجعل الوصول إلى تسويات سياسية أكثر تعقيدا.
وحذرت الجزائر باستمرار من تحويل المنطقة العربية إلى ساحة لتصفية الحسابات بين قوى تتقاطع مصالحها مع مصالح شعوب المنطقة بصورة محدودة. وتكشف تجارب سوريا واليمن وليبيا والعراق ولبنان أن استمرار الأزمات يترك آثارا عميقة على مؤسسات الدولة واقتصاداتها ونسيجها الاجتماعي، بينما ترتفع كلفة إعادة الإعمار واستعادة الاستقرار كلما طال أمد الصراع.
وفي السودان، تقدم الحرب الدائرة مثالا إضافيا على اتساع تداعيات النزاعات الداخلية، حيث تحولت الأزمة إلى عامل ضغط على دول الجوار ومسارات التجارة والأمن الغذائي والاستقرار الإقليمي. وتشير مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى وجود نحو 9.1 ملايين نازح داخل السودان بنهاية 2025، وهو رقم يعكس حجم التداعيات الإنسانية والاجتماعية للحرب.
كما أظهرت التجربة اليمنية أن استمرار النزاع يضاعف التعقيدات السياسية والإنسانية، فيما ما تزال ليبيا تواجه تحديات مرتبطة بتوحيد مؤسساتها واستعادة الاستقرار منذ اندلاع أزمتها عام 2011. وفي سوريا والعراق ولبنان، تركت سنوات الأزمة آثارا على مؤسسات الدولة والاقتصاد والقرار الوطني، وهي معطيات تعزز الطرح القائم على أولوية الحلول الوطنية الجامعة والحفاظ على وحدة الدول ومؤسساتها.
ولا تنحصر كلفة هذه الأزمات في الجانب الأمني، إذ تنتقل آثارها مباشرة إلى حياة المواطنين، من خلال تعطيل الاستثمار والتجارة، واستنزاف الموارد، وتراجع الخدمات، ونزوح السكان، وهجرة الكفاءات ورؤوس الأموال. كما تتحول الموارد التي كان يمكن توجيهها إلى التنمية والصحة والتعليم إلى معالجة آثار الصراعات وإعادة بناء ما دمرته الحروب.
ومن هنا، يصبح توحيد الموقف العربي مرتبطا أيضا بحماية المصالح الاقتصادية والتنموية، وتقليص تأثير الأزمات والتدخلات الخارجية في خيارات الدول العربية ومستقبلها.
فلسطـين.. الاختبـار الأبـرز للموقف العربي
وتبقى القضية الفلسطينية الاختبار الأبرز لقدرة الدول العربية على بناء موقف مشترك قادر على التأثير في مسار الأحداث، في ظل استمرار الحرب على قطاع غزة وما خلفته من خسائر بشرية ودمار واسع طال السكن والمنشآت الصحية والتعليمية والبنية التحتية.
وقد أدى النزوح الجماعي للسكان إلى أزمة إنسانية غير مسبوقة، فيما أظهرت التطورات المتلاحقة محدودية قدرة المجتمع الدولي على توفير الحماية للمدنيين وفرض احترام قواعد القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية.
وتتجاوز القضية الفلسطينية بعدها الإنساني إلى ارتباطها المباشر بالأمن القومي العربي، خصوصا مع استمرار الاحتلال والاعتداءات التي تطال الأراضي الفلسطينية، وما يرافقها من توترات إقليمية تمس دولا عربية أخرى.
وفي هذا السياق، تؤكد الجزائر أن حماية سيادة الدول العربية ورفض الاعتداءات عليها تشكلان جزءا من مقاربة واحدة، تقوم على احترام استقلال الدول ووحدة أراضيها، وإنهاء الاحتلال وتمكين الشعب الفلسطيني من حقوقه المشروعة وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس.
أرضيـــــة مشتركـــــة لمواجهـــة التحديــــــات
وتوحيد الصوت العربي، وفق المقاربة الجزائرية، لا يعني إلغاء الخلافات بين الدول أو فرض رؤية واحدة على مختلف الملفات، فاختلاف المصالح والتقديرات يظل أمرا طبيعيا في العلاقات الدولية. غير أن الأزمات المتراكمة تفرض بناء أرضية مشتركة حول قضايا أساسية، في مقدمتها احترام سيادة الدول، ورفض العدوان والتدخلات الخارجية، والحفاظ على وحدة المؤسسات، ودعم الحلول السياسية الوطنية.كما تبرز الحاجة إلى تنسيق المواقف العربية داخل الأمم المتحدة ومختلف الهيئات الدولية، بما يمنحها قدرة أكبر على التأثير والدفاع عن المصالح المشتركة. فالمواقف المنفردة، مهما كانت قوتها، تظل محدودة التأثير عندما لا تندرج ضمن رؤية جماعية تستند إلى تنسيق سياسي ودبلوماسي مستمر.
ويكتسب هذا التنسيق أهمية أكبر في ظل التحولات التي يعرفها النظام الدولي، حيث تتزايد المنافسة بين القوى الكبرى وتتداخل الحسابات الجيوسياسية مع الأزمات الإقليمية. وفي مثل هذا السياق، تحتاج الدول العربية إلى تعزيز قدرتها على المبادرة وصياغة مواقفها انطلاقا من مصالحها المشتركة، بدل الاكتفاء بالتفاعل مع الأزمات بعد وقوعها.
مـــن إدارة الأزمـــات إلـــــى منعهـــا
حديث أحمد عطاف عن مرحلة لا تقبل أنصاف المواقف يعكس خلاصة تجربة طويلة أظهرت أن التأخر في معالجة الأزمات وغياب المواقف المشتركة يرفعان كلفة الصراعات ويقللان فرص احتوائها. فالاستقرار العربي لا يمكن أن يتحقق فقط عبر التعامل مع نتائج الحروب، وإنما يتطلب معالجة أسبابها ومنع انتقالها من أزمة إلى أخرى.وتتأسس المقاربة التي تطرحها الجزائر على دعم الحوار والوساطة والحلول السياسية، مع الحفاظ على سيادة الدول ووحدة أراضيها ورفض التدخلات الخارجية التي تعمق الانقسامات. وهي مقاربة تنطلق من اعتبار أن الحلول المستدامة للأزمات العربية ينبغي أن تكون عربية في جوهرها، وأن تستند إلى توافقات وطنية تحافظ على مؤسسات الدولة وتمنح شعوبها القدرة على استعادة الاستقرار.
كما أن توحيد الموقف العربي لا يمثل خيارا دبلوماسيا فقط، وإنما يرتبط بمصالح اقتصادية وأمنية وتنموية مباشرة. فاستمرار النزاعات يهدد طرق التجارة والاستثمارات والأمن الغذائي، ويستنزف الموارد ويزيد الضغوط الاجتماعية والهجرة والنزوح، في وقت تحتاج فيه المنطقة إلى توجيه إمكاناتها نحو التنمية وبناء اقتصادات أكثر قدرة على مواجهة الأزمات.
وفي المحصلة، تكشف تطورات المنطقة أن الانقسام العربي يرفع كلفة الأزمات، بينما يتيح التنسيق وتوحيد المواقف هامشا أوسع للدفاع عن المصالح المشتركة. ومن هنا تكتسب الدعوة إلى بناء صوت عربي أكثر تنسيقا أهمية متزايدة، خاصة في ملفات السيادة ورفض العدوان ودعم الحلول السياسية والقضية الفلسطينية.
فالتحدي المطروح اليوم لا يتمثل في تجاوز الخلافات القائمة، وإنما في تحويل نقاط الالتقاء إلى مواقف عملية وآليات تنسيق قادرة على حماية الدول العربية وشعوبها، ومنع المنطقة من التحول مجددا إلى ساحة مفتوحة للصراعات والتدخلات الخارجية، بما يسمح بالانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء شروط الاستقرار والتنمية.

