زيــارة الرئيـس غويتــا..محطــة مفصليـة لتمتــين الشراكـة والتضامـن
استكمـال مسـار التشـاور بشـأن الأولويات وتخليص المنطقـة مــن التدخــلات الأجنبيــة
ربـــط الاستقــرار بتحســين الظـــروف الاقتصاديـــة والاجتماعيـة
تفعيـــل اللجنـــة الكـــبرى المشتركـــة وتحديث الإطـار المنظــم للعلاقـــات الثنائيــة
منحت زيارة الوزير الأول، سيفي غريب، إلى مالي، دفعة جديدة للعلاقات الجزائرية المالية، مع تأكيد الاستعداد لإعادة تفعيل مختلف آليات التعاون والتحضير لزيارة رئيس المرحلة الانتقالية المالي إلى الجزائر، في تطور يدعم استعادة التنسيق بين جارين تجمعهما تحديات أمنية مشتركة، ويعزّز فرص الاستقرار في منطقة الساحل التي تظل الجزائر فاعلا أساسيا في معالجة أزماتها.
جاءت الزيارة، بتكليف من رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، بعد ثلاثة أسابيع من زيارة الوزير الأول المالي عبد الله مايغا إلى الجزائر يوم 24 أوت، بما يعكس إرادة متبادلة لتطوير العلاقات الثنائية. وخلال استقباله من طرف رئيس المرحلة الانتقالية، رئيس الدولة، أسيمي غويتا، نقل غريب حرص رئيس الجمهورية على تعزيز حسن الجوار، فيما رحّب غويتا بالدعوة الموجّهة إليه لزيارة الجزائر، وأبدى إرادته في مواصلة العمل المشترك، بما يهيّئ دعما سياسيا لتطوير العلاقات خلال المرحلة المقبلة.
وفي محادثاته مع نظيره المالي، أكّد الوزير الأول استعداد الجزائر للشروع في إعادة تفعيل اللجنة الكبرى المشتركة للتعاون، بما يسمح بتحديث الإطار المنظّم للعلاقات الثنائية، كما طرح تحديد القطاعات ذات الأولوية وإعداد تصوّر مشترك للملفّات التي ستُعرض على رئيسي البلدين. ويمنح هذا التوجّه استئناف الحوار أهدافا عملية، ويمهّد لتوسيع التعاون وفق احتياجات الطرفين، كما يسمح انتظام هذه الآلية بمتابعة الالتزامات بين القطاعات المعنية، ومعالجة العراقيل التي تؤخّر التعاون، وتوفير إطار أوضح للمبادلات والمشاريع التي يتوافق عليها الجانبان.
من جهته، أعرب مايغا عن أمله في إضفاء طابع دائم ومستدام على العلاقات، موضّحا أنّ هدف القيادتين هو جعل المنطقة مزدهرة وآمنة وخالية من الهيمنة والإرهاب والاستعمار الجديد. وتكتسب هذه التصريحات أهمية بالنظر إلى صدورها من باماكو، إذ تعكس تقاربا حول حماية استقلال القرار الوطني وربط الأمن بتحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية.
وتؤكّد العودة إلى التنسيق أهمية الدور الجزائري في ترتيبات استقرار الساحل، فالبلدان يرتبطان بحدود تتجاوز 1300 كيلومتر، وتفرض عليهما مواجهة الإرهاب وتهريب الأسلحة والمخدرات تعاونا مستمرا. كما أنّ ما تملكه الجزائر من خبرة أمنية وقدرات اقتصادية يجعل تطوير الشراكة معها مصلحة مباشرة لمالي وللمنطقة التي تتداخل فيها التحديات الأمنية والتنموية.
ويتيح تبادل المعلومات ومتابعة التحرّكات عبر الحدود تحسين مواجهة الشبكات التي تنشط بين عدة دول وتستغل ضعف التنسيق لتوسيع نشاطها، كما يمكن لهذا التقارب أن يضيّق هامش تحرّك القوى التي تستفيد من الخلافات بين دول الساحل وجوارها، ويحدّ من قدرتها على توجيه علاقات المنطقة وفق مصالحها. فالحوار المباشر يتيح معالجة الانشغالات بين أصحابها، ويقلّص فرص استغلال التوترات لفرض ترتيبات خارجية، وهو ما يمنح التفاهم الجزائري المالي أثرا يتجاوز العلاقات الثنائية.
وفي السياق نفسه، تشير المواقف المعلنة إلى إدراك أهمية السيادة والتعاون الإقليمي، فيما يظل احترام المسارات الدستورية داخليا وتوسيع التوافق الوطني من متطلّبات تثبيت الاستقرار. فتعزيز مؤسّسات الدولة ومعالجة الخلافات بالحوار يدعمان قدرتها على مواجهة التحديات، ويمنحان رفض التدخّلات الأجنبية أساسا داخليا أقوى.
مشاريع تدعم الاستقرار
تجد المقاربة الجزائرية القائمة على التنمية من أجل الاستقرار تطبيقات فعلية في التعاون مع دول الساحل، خاصة في مجالي الطاقة والبنى التحتية. وفي هذا الإطار، شهدت نيامي في الثالث من جوان الماضي تدشين محطة توليد الكهرباء للتضامن الجزائري النيجري بقدرة 40 ميغاواط، أنجزت كهبّة من الجزائر بتوجيهات الرئيس تبون. كما وضع غريب، في الثامن من الشهر نفسه، حجر الأساس لمحطة بقدرة مماثلة في العاصمة التشادية إنجامينا، لتوسيع الإمدادات الكهربائية ودعم الاحتياجات التنموية.
بالإضافة إلى ذلك، أعلنت سوناطراك، في 13 أوت، إطلاق مرحلة جديدة من مشروع كفرا بالنيجر تشمل حفر أربع آبار استكشافية بالشراكة مع «سونيديب»، بهدف تقييم الموارد وإمكانات تطويرها. ويبرز هذا التعاون استعداد الجزائر لوضع خبرة مؤسّساتها في خدمة شراكات تسمح لدول المنطقة بتثمين ثرواتها وتعزيز قدراتها الاقتصادية على أساس المصالح المتبادلة.
كما حضر الطريق العابر للصّحراء والوصلة المحورية للألياف البصرية، ضمن الملفات التي تناولها غريب في باماكو، باعتبارهما مشروعين لدعم الاندماج الإقليمي. وتبرز أهميّتهما بالنسبة إلى مالي والنيجر في تسهيل الوصول إلى الأسواق وتطوير الخدمات الرقمية، وهو ما يمنح التعاون مع الجزائر امتدادا تجاريا وتنمويا، ويجعل تحسين العلاقات السياسية عاملا مساعدا على دفع المشاريع المشتركة.
وفي سياق متصل، عكس الاهتمام الإعلامي المالي والقاري بالزيارة أهمية استئناف الحوار، ونقلت التغطيات تقديرات تؤكّد مصلحة البلدين في منع تحول الساحل إلى مصدر دائم لعدم الاستقرار، وأبرز «ستوديو تاماني» أهمية مراقبة الحدود والتعاون الأمني ومكافحة تهريب الأسلحة والمخدّرات، باعتبارها ملفات ترتبط مباشرة بأمن البلدين.
ومع ترقّب زيارة غويتا إلى الجزائر، تتّجه العلاقات الجزائرية المالية نحو استكمال مسار التشاور بشأن الأولويات المشتركة، وترجمة التفاهم السياسي المتجدّد إلى خطوات عملية تشمل مختلف مجالات التعاون. وتتيح الزيارة المرتقبة فرصة لتحديد الملفات ذات الأولوية، وضبط آليات متابعة الالتزامات المتّفق عليها، بما يدعم إعادة تفعيل الأطر الثنائية ويفتح المجال أمام دفع المشاريع الاقتصادية والتنموية ذات الاهتمام المشترك.كما ينتظر أن تمنح هذه الحركية زخما أكبر للتنسيق في الملفات الأمنية والإقليمية، خاصة في ظل التحديات التي تواجه منطقة الساحل وارتباطها المباشر بأمن البلدين. ويعكس انتظام الحوار بين الجزائر وباماكو توجّها نحو بناء تعاون أكثر استقرارا، يجمع بين المصالح الاقتصادية والتنسيق الأمني والعمل المشترك من أجل تعزيز الاستقرار، ويدعم قدرة دول المنطقة على معالجة تحدياتها بإرادتها وبما يخدم مصالح شعوبها.



