تتّجه الجزائر إلى تعزيز الاهتمام بتراثها الأثري، من خلال إنشاء الوكالة الوطنية للآثار، في خطوة تفتح النقاش حول مستقبل البحث والحفريات وحماية المواقع والمعالم. ويأتي القرار في سياق الحاجة إلى تنظيم الجهود المبذولة في هذا المجال، وتثمين الرصيد الحضاري الذي تزخر به البلاد.
يظل الرصيد الأثري الجزائري بحاجة إلى مزيد من البحث والكشف والدراسة، بالنظر إلى اتساع رقعة المواقع والمعالم التي تزخر بها البلاد، وتنوع الفترات التاريخية التي تمثلها، من عصور ما قبل التاريخ إلى العصور الحديثة. فالشواهد المادية المنتشرة عبر مختلف مناطق الوطن، بما تحمله من معطيات حول حياة المجتمعات القديمة وتفاعلاتها مع محيطها، تشكل مصدرا أساسيا لفهم تاريخ الجزائر وامتدادها الحضاري، كما تتيح للباحثين إعادة قراءة مراحل تاريخية لا تزال في حاجة إلى مزيد من التوضيح.
وتطرح هذه الثروة مسؤوليات متعددة تتعلق بحمايتها من التدهور والإهمال والنهب، وضمان حفظها وتوثيقها، إلى جانب تطوير البحث العلمي المرتبط بها، خاصة أن كثيرا من المواقع لم تستكمل فيها عمليات التنقيب، فيما تنتظر مواقع أخرى اكتشافها ودراستها. وهو ما يجعل العمل الأثري مجالا مفتوحا أمام أبحاث جديدة يمكن أن تضيف معطيات إلى التاريخ الوطني، وتساهم في إثراء المعرفة بالمجتمعات التي تعاقبت على أرض الجزائر.
قرار يفتح صفحة جديدة في البحث الأثري
وفي هذا السياق، يندرج قرار رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون إنشاء الوكالة الوطنية للآثار، الذي أعلن عنه خلال اجتماع مجلس الوزراء الأخير، باعتباره خطوة مؤسساتية جديدة في مسار الاهتمام بالتراث الأثري الوطني. ويأتي إنشاء هذه الهيئة في وقت تبرز فيه الحاجة إلى تطوير العمل الأثري، وتنظيم الجهود المبذولة في هذا المجال، وتعزيز التنسيق بين الجامعات ومراكز البحث والمؤسسات المختصة.
ويطرح القرار، في هذا الإطار، أهمية دعم الحفريات والتنقيبات وتطوير الدراسات والتحاليل العلمية، بما يسمح بتحويل نتائج البحث الميداني إلى معطيات تساهم في قراءة تاريخ الجزائر. كما يفتح المجال أمام اعتماد تقنيات حديثة في الكشف والدراسة، وتطوير المخابر وقواعد البيانات المرتبطة بالمواقع واللقى الأثرية، فضلا عن تكوين الباحثين وتعزيز التعاون بين مختلف التخصصات.
من الاكتشاف إلى حماية الشّواهد
ولا تتوقف أهمية البحث الأثري عند الكشف عن المواقع واللقى، إذ تكتسي مرحلة ما بعد الحفر أهمية مماثلة، من خلال تحليل المكتشفات وتوثيقها وترميمها وحفظها، ثم نشر نتائج الدراسات في الأوساط العلمية. فالمادة الأثرية لا تقدم قيمتها التاريخية بمجرد العثور عليها، وإنما من خلال ما تتيحه من معلومات بعد إخضاعها للبحث والمقارنة والتحليل، وربطها بالسياق الذي وجدت فيه.
وتتصل هذه الجهود بمسألة حماية المواقع والمعالم من التدهور والعوامل الطبيعية والتوسع العمراني، فضلا عن السرقة والنهب والاتجار غير المشروع بالقطع الأثرية. ويحتاج التعامل مع هذه المخاطر إلى جرد دقيق للمواقع والمعالم واللقى، وتوثيقها وإنشاء قواعد بيانات وطنية تسمح بمتابعتها، إلى جانب تنظيم عمليات الصيانة والترميم وفق أساليب علمية تحافظ على أصالتها وقيمتها التاريخية.
رصيد حضاري ينتظر التّثمين
ومن جهة أخرى، يفتح إنشاء الوكالة المجال أمام بحث آفاق تثمين المواقع والمعالم الأثرية، وربطها بالحياة الثقافية والسياحية، من خلال تهيئتها وفتحها أمام الزوار، وإدراجها ضمن المسارات الثقافية، وتنظيم المعارض والبرامج التي تعرف بتاريخها وقيمتها. ويمكن أن تساهم هذه المقاربة في إبراز الامتداد الحضاري للجزائر، وتعزيز حضور تراثها في المحافل العلمية والثقافية، مع ضمان المحافظة على المواقع وحمايتها.
وتطرح هذه الرهانات أهمية توفير الإمكانات البشرية والمادية اللازمة للبحث والحفظ والتثمين، وتعزيز التعاون بين مختلف المؤسسات والقطاعات المعنية، إلى جانب إشراك المجتمع في حماية المواقع والتعريف بها. فالرصيد الأثري الوطني، بما يختزنه من شواهد على تاريخ الجزائر، يحتاج إلى جهود متواصلة تضمن دراسته وحمايته وإتاحته للأجيال.







