كَزَهْرَةِ لَوْزٍ
تُطِلُّ على صَخْرِ طَبَرِيَّا،
وتُخَبِّئُ في عِطْرِها
سِرَّ مَنْ مَرُّوا
ومَنْ لَمْ يَعودوا…
هُنَا،
كانَ الماءُ أقدمَ مِنْ حُزْنِنا،
وكانَتْ سماءُ البلادِ
تُرَتِّبُ أسماءَها في المدى:
حِطِّينُ،
بَيْسانُ،
وادي الحمام،
ووجهُ الجليلِ
إذا مالَ نحوَ الغروبِ
تَكَلَّمَ فينا.
هُنَا
تَسيرُ النَّواعيرُ في دمِنا،
وتصحو الأسماكُ
من نومها في عيونِ الصيادين،
وتصعدُ رائحةُ القهوةِ
من شُرفاتِ النساء،
كأنَّ الصباحَ
يُعِدُّ لنا خبزَ أمٍّ
تُطلُّ من الغيبِ
ثمَّ تغيب.
أمّي…
أينَ أنتِ؟
إنَّ الطريقَ إلى وجهكِ
صارَ أطولَ من العمر،
والبيوتُ التي كنتِ تفتحينَ نوافذَها
للحمامِ
أغلقتْها الرياحُ،
لكنَّ نافذةً في دمي
ما تزالُ مفتوحةً
على صوتكِ.
أمّي،
تعالي قليلاً،
فإنّي تعبتُ من البحثِ
عن ظلّكِ بين الخرائط،
وتعبتُ من السؤالِ
عن بيتٍ لنا
كلما قلتُ: هذا هو البيتُ،
قالَ الترابُ:
ليس بعدُ…
كَزَهْرَةِ لَوْزٍ
على كتفِ طبريا،
أُقلِّبُ في الماءِ
وجوهَ الذين مضوا،
فأبصرُ وجهَ أبي،
وأبصرُ طفلاً
يُلوِّحُ من آخرِ الحقلِ،
وأسمعُ وقعَ الخيولِ
على حجارةِ حِطِّينَ،
ثمَّ أسمعُ صمتًا
ثقيلاً
يهبطُ من جهةِ المقابر.
هناكَ
لا ينامُ الشّهداءُ تمامًا؛
يتركونَ للريحِ
نافذةً في التراب،
وللأرضِ
قلبًا يظلُّ يدقُّ
تحتَ الحجارة.
وحينَ تمرُّ العصافيرُ
فوقَ المآذنِ
لا تسألُ الأرضَ
لمن هذه السماء،
فهي تعرفُ أنَّ البلادَ
ليستْ سؤالاً
يُجابُ عنهُ بالحبر،
ولا خريطةً
تُطوى على طاولةٍ؛
إنها خبزُ أمٍّ،
وظلُّ نخلةٍ،
وحجرٌ
يحفظُ أسماءَ أصحابهِ
منذُ أولِ الفجر.
يا طبريا،
يا مرآةَ الماءِ
حينَ يكونُ الماءُ ذاكرة،
قولي لهم:
إنَّا هنا،
لم نغادرْ سوى أجسادِنا،
أما الروحُ
فكانتْ معلَّقةً
بينَ زيتونةٍ
وبيتٍ قديم،
وبينَ حيفا
حينَ تفتحُ البحرَ أبوابَه،
ويافا
حينَ تفوحُ البرتقالةُ
من جهةِ الغياب.
إنَّا هنا…
نُرمِّمُ أسماءَنا
بالترابِ،
ونغسلُ أحزانَنا
بماءِ البلاد،
ونزرعُ في الريحِ
أغنيةً لا تموت.
فإن قالَ سائلٌ:
أينَ فلسطين؟
قُلْ له:
هي ليستْ هناكَ فقط؛
هي في القلبِ
حينَ يرفضُ أن ينسى،
وفي الأمِّ
حينَ تنتظرُ ابنَها،
وفي طفلٍ
يُسمّي الطريقَ إلى البيتِ
وطناً.
وإن قالَ:
متى تعودون؟
قُلْ:
نحنُ لم نغادرْ.
نحنُ الذينَ
كلما ابتعدَ المكانُ
اقتربتْ منّا البلاد.
نحنُ الذينَ
إذا ضاقَ بنا العالمُ
اتَّسعتْ فينا فلسطين.
نحنُ الذينَ
نحملُ مفتاحَ بيتٍ
لا يفتحُ بابًا فقط،
بل يفتحُ ذاكرةً
على شجرةِ تين،
وعلى كرمةِ عنب،
وعلى أمٍّ
تقولُ لولدِها:
تأخرتَ يا بني…
فلا تُطِلِ الغياب.
كَزَهْرَةِ لَوْزٍ
تُقاومُ صخرةَ الوقتِ،
أظلُّ هنا.
أُطلُّ على طبريا،
فتُطلُّ عليَّ.
وأقولُ للماءِ:
احفظْ لنا
ما تبقّى من الضوء.
وأقولُ للأمس:
لا تَمتْ.
فإنَّ لنا فيكَ
وجهَ أمٍّ
وضوءًا
وطريقًا
إلى البيت.
ثمَّ أقولُ للغد:
تعالَ…
فإنَّ البلادَ
التي أنجبتْ
كلَّ هذا الحزنِ
قادرةٌ
أن تُنجبَ
كلَّ هذا الفرح.
كَزَهْرَةِ لَوْزٍ
بعيدةٍ…
لكنَّها تعرفُ اسمَها:
فلسطين.







