لم يكن تتويج الشاف الجزائرية نورة صادقي، المعروفة باسم «نا نورة»، بالميدالية الذهبية في الطبعة العاشرة من القرية الدولية لفنون الطهي بباريس، مجرد فوز في منافسة دولية لفنون الطبخ، حيث شكّل مناسبة لإبراز جانب من الموروث الغذائي الجزائري، من خلال طبق تقليدي متجذّر في الذاكرة الشعبية هو «أغروم أقوران».
شاركت «نا نورة» في هذه التظاهرة، التي احتضنتها العاصمة الفرنسية مؤخرا بمشاركة أكثر من 70 دولة، ممثلة للمطبخ الجزائري، واختارت تقديم «الأغروم المحشي»، المعروف أيضا بالكسرة المحشوة، في وصفة تستند إلى تقاليد المطبخ الجزائري مع تنويع في مكوناتها وحشواتها.
وتوّجت الشاف الجزائرية بلقب «Best of Gastronomie 2026 – Golden Cheffe Algerian Cuisine»، وتسلمت الميدالية الذهبية من الشاف هوبير لوزاك، السفير والمفتش الدولي لـ«Best of Gastronomie»، في تتويج منح وصفة جزائرية بسيطة حضورا في محفل دولي لفنون الطهي.
وحظي هذا الإنجاز بتهنئة رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، الذي أشاد بتتويج «نا نورة» وبما قدمته من صورة عن المطبخ الجزائري وتراثه، في التفاتة رسمية إلى هذا الحضور الجزائري في مجال فنون الطهي.
وتحمل قصة «نا نورة» جانبا آخر من مسار نجاح هذه الشاف، التي انتقلت إلى فرنسا سنة 2014 رفقة أبنائها الستة، لتبدأ تجربة مهنية من خلال تحضير وبيع الفطائر الجزائرية في الأسواق الباريسية، قبل أن يتوسّع نشاطها تدريجيا ويصبح الطبخ مجالا احترافيا تعمل من خلاله على تقديم وصفات من المطبخ الجزائري.
وفي مقدمة الأطباق التي ارتبطت بتجربتها «الأغروم المحشي»، الذي أعادت تقديمه في مناسبات مختلفة، إلى جانب أطباق جزائرية أخرى، على غرار الرشتة والبغرير، مستفيدة من خبرتها في تقديم الأكلات التقليدية بطريقة تستجيب أيضا لذائقة جمهور متنوّع.
ويكتسي «أغروم أقوران» خصوصية ضمن هذا الحضور، باعتباره أحد أصناف الخبز التقليدي المعروف في منطقة جرجرة، حيث ارتبط لسنوات بالمائدة العائلية وبطرق تحضير متوارثة، ليغادر هذه المرة فضاء البيت والمائدة المحلية نحو منافسة دولية في قلب باريس.
ويحضر الخبز التقليدي في الثقافة الغذائية الجزائرية بوصفه أكثر من مجرد مادة أساسية على المائدة، إذ ارتبط بالعادات اليومية وبالضيافة وبالذاكرة العائلية، كما تعدّدت أشكاله وطرق تحضيره باختلاف المناطق الجزائرية، وهو ما يعكس بدوره تنوّع الموروث الغذائي الوطني.
ومن هذا المنظور، تبدو مشاركة «نا نورة» امتدادا لممارسة ثقافية تقوم على نقل الوصفة التقليدية من جيل إلى آخر، مع منحها مساحة جديدة للتعريف بها خارج محيطها الأصلي. فالمطبخ، إلى جانب كونه ممارسة يومية، يمثل حاملا للذاكرة ومكونا من مكونات الهوية الثقافية، خصوصا عندما يتعلّق الأمر بوصفات ارتبطت بالبيت والعائلة والمناسبات.
ولم تكن مشاركة «نا نورة» في القرية الدولية لفنون الطهي بباريس الأولى، إذ سبق لها أن قدمت في دورة سابقة عددا من الأطباق الجزائرية، ما يعكس استمرار حضورها في هذه التظاهرة وسعيها إلى التعريف بالمطبخ الوطني من خلال وصفات تجمع بين أصالة الموروث وروح التجديد.
وهكذا تحوّلت ذهبية باريس إلى محطة جديدة في مسار «نا نورة»، لكنها حملت أيضا دلالة أوسع، تتمثل في قدرة المطبخ التقليدي على عبور الحدود عندما يجد من يحسن تقديمه، ليصبح «أغروم أقوران» في هذه المناسبة جزءا من حكاية الموروث الجزائري الذي يجد طريقه إلى العالم عبر المائدة.



