البحــث الأركيولوجـــي يكتسـب أهميـة عميقـة لارتباطـــــه بالهويـــة الوطنيــــة
أكدت الباحثة الدائمة بالمركز الوطني للبحث في علم الآثار بتيبازة، يمينة تسكورث، أن البحث الأثري يشكل رافدا أساسيا لفهم تاريخ الجزائر والحفاظ على ذاكرتها وهويتها الثقافية، بالنظر إلى التنوّع الكبير للمواقع والمخلفات الأثرية التي تزخر بها البلاد. وأبرزت في حوار لـ«الشعب» أهمية مواصلة البحث والاستكشاف وتوثيق المكتشفات وتثمينها، إلى جانب توفير الظروف والوسائل اللازمة للباحثين وحماية هذا التراث للأجيال القادمة.
-”الشعب”: بصفتكم باحثة في علم الآثار، كيف تقيّمون واقع البحث الأثري في الجزائر اليوم، وما أبرز الاكتشافات أو المشاريع البحثية التي يمكن أن تساهم في إعادة قراءة جوانب من تاريخنا وتراثنا؟
الباحثة يمينة تسكورث: شكل مسعى الباحثين الأثريين في الجزائر دائما جهدا جبارا، حيث مسّ جانبا من البحث في المصادر عن أصل الأمور والتحقق من صحتها أو نفي ذلك من خلال ما يقابلها من دلائل مادية علمية تمثلت في مخلفات أثرية مختلفة الفترات.
والبحث الأثري في وطننا، لما له من أهمية متعلّقة بالهوية الوطنية وثوابت الأمة الثقافية، اكتسب أهمية عميقة أكثر مما يتخيله البعض، خاصة وأن الجزائر بلد قارة لما لها من زخم موردي لهذا التخصص. والدليل على ذلك قائمة المكتشفات والبحوث التي شارك فيها أجلّ الباحثين وحققوا ما يلزم في ذلك، وهو ما ساهم في قراءات عديدة تاريخية وأثرية وتراثية.
وبطبيعة الحال، جاء ذلك حسب ما توفر للباحثين من إمكانيات، وبجهود وطنية، وأحيانا بالتعاون مع الخبراء. وكان أملنا دائما في تحقيق نجاحات واستكشافات أكثر.
– تزخر الجزائر بمواقع ومعالم أثرية تعكس تعاقب حضارات وفترات تاريخية مختلفة، فما هي، في رأيكم، أبرز التحديات التي تواجّه الباحثين في مجال الآثار، سواء على مستوى التنقيب والدراسة أو توثيق المكتشفات وتثمينها؟
لا تزال هناك تحديات ميدانية أثناء عمليات التنقيب، بدءا منىف توفر العتاد اللازم لذلك، وصولا إلى أمور أخرى متعلقة بملكية أماكن البحث الأثري، وغيرها من المسائل التي تعرقل أحيانا مسار الباحثين على أرض الواقع.
إضافة إلى ذلك، هناك ضرورة لنشر الأبحاث في شكل علمي وبحثي لائق، وفي مجلات معترف بها وطنيا ودوليا، وهي عملية أصبحت تتطلب جهدا علميا وماديا أكبر جدا، خاصة في الآونة الأخيرة.
– صدر مؤخرا قرار رئاسي يقضي بإنشاء الوكالة الوطنية للآثار، كيف تستقبلون هذه الخطوة من منظور باحثة في علم الآثار؟ وما الأدوار التي تنتظرون أن تضطلع بها الوكالة في تنظيم البحث الأثري، وحماية المواقع، وتثمين التراث واستثماره علميا وثقافيا؟
نرى في صدور القرار الرئاسي القاضي بإنشاء الوكالة الوطنية للآثار خطوة حكيمة وفي وقتها الحقيقي، حتى نزيد من الإنتاج العلمي الأثري ونثمّنه، حيث إن المسعى في الأول والأخير هو الحفاظ على تراث الأمة وممتلكاتها الثقافية الضاربة في عمق التاريخ، بكمّها الهائل.
فالجزائر عرفت وجود كل الحقب التاريخية، وقد اكتُشفت أجزاء بسيطة منها، ولا يزال الخير كله قيد البحث والاستكشاف. ولِمَ لا نسعى ونأمل في تحقيق ذلك في عمل هذه الوكالة وفريقها العلمي، ما دام الغرض والغاية من ذلك هو حماية التراث الأثري المختلف وتصنيفه حق تصنيف، بتكاتف جهود جميع المختصين وتمكينهم من الوسائل البحثية والمستلزمات والدعائم العلمية اللازمة لمواكبة التطورات والتماشي معها.
ونأمل أن يتحقق كل ذلك بإنشاء هذه الوكالة، كونها مؤسسة قائمة بذاتها لا تخضع إلا لما ينجح البحث الأثري ويعرّف بأهميته في المحافل الوطنية والدولية.
– في ظلّ الحاجة إلى حماية التراث الأثري من مختلف أشكال التدهور، كيف يمكن تعزيز التنسيق بين الباحثين ومؤسسات البحث والهيئات المكلفة بحماية التراث، وإشراك المجتمع المحلي في المحافظة على المواقع الأثرية والتعريف بقيمتها؟
إن حماية التراث الأثري وتصنيفه حق تصنيف تتطّلب تكاتف جهود جميع المختصين، وتمكينهم من الوسائل البحثية والمستلزمات والدعائم العلمية اللازمة لمواكبة التطورات والتماشي معها، بما يسمح بتحقيق المساعي الوطنية المنتظرة.
وأتمنى التوفيق للوكالة الوطنية للآثار في تحقيق مساعيها الوطنية المنتظرة، فبتكاثف الجهود يتحقق المسعى كاملا، إن شاء الله.




