واقع اقتصادي يتجاوز النظرة التقليدية للفلاحة بالجزائر
أكّد رئيس المنظمة الجزائرية للفلاحين المنتجين والمحوّلين، مبارك بن جدي، أنّ التوجيهات الأخيرة لرئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، القاضية بإعادة النظر في دور الديوان الوطني المهني للحبوب وتحديث المعاهد المتخصّصة، تُشكِّل محطة مفصلية في مسار انتقال الفلاحة الجزائرية من التسيير الإداري النمطي إلى التسيير الاقتصادي والعلمي الدقيق.
قال مبارك بن جدي، في تصريح لـ»الشعب»، إنّ هذه التعليمات الرئاسية لا تُمثِّل مجرد تعديلات هيكلية عابرة، بل هي إعلان صريح عن نهاية حقبة البيروقراطية الزراعية وبداية مرحلة تُبنى فيها القرارات على البيانات الواقعية والنجاعة الميدانية.وأوضح بن جدي أنّ الديوان الجزائري المهني للحبوب سيتحرّر من ثقل الممارسات الكلاسيكية التي حصرت دوره لسنوات في التجميع وإدارة الواردات، مشيرًا أنّ القراءة المتأنية للقرار الرئاسي تُبرز إرادة سياسية عليا لتحويل هذا الصرح الاستراتيجي الفلاحي إلى قاطرة حقيقية للأمن الغذائي ببلادنا.وبخصوص الرقمنة الفورية لنظام الدفع والمتابعة الدقيقة لمسارات التجميع والتخزين، اعتبرها محدثنا، ليست مجرّد إجراءات تقنية روتينية، بل هي أدوات جديدة لفرض الشفافية، وقطع دابر التلاعب، وإعادة بناء الثقة بين الفلاح المنتج ومؤسّسات الجمهورية.وتابع المتحدث: «عندما يتخلّص مسار إنتاج ونقل وتخزين وتوزيع الحبوب من الشوائب البيروقراطية، والأرقام المغلوطة، بالاعتماد على الرقمنة والإحصاء الدقيق، يصبح الديوان الجزائري المهني للحبوب شريكًا فعليًا في تقليص فاتورة الاستيراد وتحقيق السيادة الوطنية، وليس مجرّد حلقة اختزان في سلسلة الإنتاج الوطني للمحاصيل الاستراتيجية».
المعاهــد.. إنـزال البحـث العلمـي إلى الحقـل
على الصعيد التقني، رأى مبارك بن جدي، أنّ توجيهات رئيس الجمهورية، بوضع المعاهد الفلاحية المتخصّصة ومراكز البحث أمام مسؤولياتها التاريخية، قرار في محله؛ لأنّ الفلاحة الحديثة صارت لا تُدار من المكاتب، والإنتاج الوفير لم يعد يخضع لأثار المناخ السلبية، بل هو نتاج تزاوج بين الأرض والعلم.
وأبرز بن جدي أنّ الدعوة لتحديث نشاط هذه المعاهد الفلاحية، هي دعوة صريحة لخروج الباحثين والمهندسين إلى الحقول لمرافقة الفلاحين والمستثمرين، وتوجيههم بناءً على معطيات علمية دقيقة تسفر عن تحقيق فوائض في المحاصيل الزراعية الكبرى.
وفي ما يتعلق بالتحديات الراهنة، وعلى رأسها التغيّرات المناخية والإجهاد المائي، فيتطلب من هذه المعاهد ابتكار حلول ذكية سريعة، واستنباط وتطوير بذور مقاومة للجفاف، وتوطين تقنيات ري مقتصدة للسّقي، لتتحول من مجرّد هياكل استشارية إلى أذرع ميدانية طويلة تصنع الفارق في المردودية، وتُضاعف الإنتاج الوطني الفلاحي الكلي على النحو الذي يحقّق الاكتفاء الغذائي الشامل، وفقًا له.
خريطـــة طريـــق فلاحيـــة واضحـة المعالم
كشف رئيس المنظمة الجزائرية للفلاحين المنتجين والمحوّلين، مبارك بن جدي، أنّ هذا التحديث المؤسّساتي المزدوج الصادر عن مجلس الوزراء الأخير، يُمهِّد الأرضية لواقع اقتصادي جديد في الجزائر يتجاوز النظرة التقليدية لقطاع الفلاحة، ويُؤسِّس لثورة الأقطاب الزراعية الكبرى.
واستنادًا إلى بن جدي، فإنّ تحديث المعاهد الفلاحية والديوان الجزائري المهني للحبوب، يُمثِّل اللبنة الأساسية لنجاح أيّ استراتيجية هادفة إلى خلق أقطاب فلاحية وصناعية متكاملة، حيث يرتبط الإنتاج الفلاحي المدعوم علمياً بشكل مباشر مع الصناعات التحويلية، ممّا يضمن امتصاص الفوائض، ويخلق القيمة المضافة، ويعمل على تأمين المداخيل المناسبة للفلاحين.
هذه المقاربة الرئاسية تبرز كخريطة طريق واضحة المعالم؛ لأنه لا أمن غذائي مستدام دون مؤسّسات قوية، شفافة، ومواكبة للتطور التكنولوجي. ونجاح هذه الرؤية يتطلب، اليوم، انخراطًا تامًا من كافة الفاعلين والمنظمات المهنية، لتحويل هذه التوجيهات إلى واقع ملموس يعيد للفلاح اعتباره وللاقتصاد الوطني سيادته، يختم المصدر ذاته.
للإشارة، أسدى رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، في آخر اجتماع لمجلس الوزراء، أمرا لوزير القطاع بضرورة إعداد نشريّة شهرية وتكليف الولاة بالمراقبة الدقيقة لتحديد نسب وكميات الإنتاج لمختلف أنواع الحبوب خاصة القمح اللين والقمح الصلب، والرقمنة الفورية لنظام دفع المحاصيل الزراعية للوكالات الجهوية للديوان الجزائري للحبوب، وإعادة النظر في دور الديوان الجزائري للحبوب والمعاهد المتخصّصة في القطاع لتحسين أدائها وتحديثها







