دخلت أخيرا الوحدة الصناعية «جنرال بلاستيك إنجيكشن» بولاية تيسمسيلت مرحلتها الحاسمة، حيث تحول المصنع من أملاك مصادرة بسبب الفساد إلى قاطرة اقتصادية يعول عليها في دعم الاستثمار والانتاج في عهد جديد، مرسخا مرحلة فارقة في تأسيس الاستقلالية الاقتصادية في مجال صناعة السيارات.
أدمجت الوحدة الصناعية الرائدة والهامة رسميا ضمن حافظة الشركة القابضة الجزائرية للتخصصات الكيميائية «أ سي أس» (ACS)، على اعتبار أنه انطلاقا من مقدرات مصادرة، تمكنت الدولة من إنجاز وتجهيز هذا المصنع بكل الإمكانات المادية، بضخ استثمارات إضافية تقدر، لتحويله إلى قاعدة صناعية وطنية مدمجة بكل مقومات النجاح.
وتشكل هذه المنشأة الرائدة في قطاع المناولة، تجسيدا عمليا للرؤية الاستشرافية للدولة، فبعد أن أشرف الوزير الأول، سيفي غريب، بتكليف من السيد رئيس الجمهورية، بتاريخ 29 أفريل الماضي، على الإطلاق الفعلي لأشغال إنجاز المصنع رأى المشروع النور ودشن مرحلة الإنتاج الرسمي نهاية الأسبوع.
وهذه القفزة الزمنية جسدت البداية الفعلية لتوفير البدائل الوطنية للمكونات المستوردة، وإعلانا صارما لانطلاق العصر الذهبي للمناولة في مجال الصناعات البلاستيكية بالجزائر.
ترسانـة تكنولوجيـة هامـة
ويندرج إنجاز المصنع الجديد ببلدية خميستي والذي وقفت عليه جريدة «الشعب»، ضمن توجه استراتيجي لدعم الاستثمار المنتج وتطوير الصناعة الوطنية، خاصة في مجال مكونات السيارات، حيث من المقرر أن يبلغ إنتاجه 251 ألف قطعة سنويا لتجهيز نحو 200 ألف مركبة، بنسبة إدماج وطني تبلغ 40 بالمائة في المرحلة الأولى، ومرشحة للارتفاع إلى 70 بالمائة مستقبلا، مما يعزز سلاسل القيمة المحلية ويحد من اللجوء إلى الاستيراد.
كما يستجيب المصنع لاحتياجات قطاعات صناعية متعددة ومتنامية، منها الأجهزة الكهرومنزلية، والكوابل، وما إلى غير ذلك، ويعد هذا المشروع رافعة حقيقية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية بالمنطقة، إذ يستحدث 300 منصب عمل مباشر و500 منصب غير مباشر، وينعش الحركة التجارية وخدمات اللوجستيك، ويوسع آفاق الاستثمار أمام المؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
وعلى مساحة تتجاوز عشرة هكتارات، يعد المصنع تحفة تكنولوجية؛ إذ تم تجهيزه بأربع عشرة آلة حقن تتراوح طاقتها بين 60 و3000 طن، تعمل بأحدث التقنيات المعتمدة لدى عمالقة الصناعة في ألمانيا وإيطاليا واليابان، مدعومة بمخبر قياس متطور يعمل بتقنية المسح الليزري عالية الدقة.
وتسمح هذه الترسانة التكنولوجية بتحويل أكثر من 50 ألف طن سنويا من المواد البلاستيكية لإنتاج المصدات، لوحات القيادة، وألواح الأبواب وغيرها من اللواحق، بطاقة استيعابية هائلة تغطي احتياجات 150 ألف مركبة سنويا.
تنشيــط الحركة التجاريـة
ولا يقتصر الطموح عند هذا الحد، بل يمتد ليرفع نسبة الإدماج الوطني بفضل الاستثمارات الإضافية المرتقبة لاسيما خطوط الإنتاج، مما سيقلص بشكل جذري فاتورة الاستيراد.
وبالإضافة إلى ذلك، تتسع قدرات المصنع لتلبية احتياجات مجموعة واسعة من المنتجات والفروع الصناعية، كالأجهزة الكهرومنزلية، صناعة الكوابل، الثلاجات ومبردات الهواء، الأجهزة والمستلزمات الطبية، مواد التغليف والتعبئة، الأدوات المنزلية، المنتجات التجميلية، الألعاب، النظارات، مكونات الطائرات المسيرة «درون»، بالإضافة إلى إشارات الطرق.
هذا الصرح الصناعي الهام يعد رافعة حقيقية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية من المنتظر أن تنعكس آثارها على المنطقة على المدى القريب، من خلال توفير مناصب الشغل للشباب، وتنشيط الحركة التجارية، ودعم الاستثمار في هذه الولاية الداخلية التي تملك مقومات وموارد، وتوسيع خدمات النقل واللوجستيك، وفتح فرص جديدة أمام المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، لتبني بذلك منظومة اقتصادية متكاملة تعزز سلاسل التوريد وترفع مستوى المعيشة.
واللافت في هذه الوحدة الصناعية، أن أهميتها تكمن في الاستثمار المبكر في العنصر البشري، وفي رهان رفع وسباق مع الزمن، تفجرت إرادة كفاءات شباب جزائري رفعوا التحدي في وقت قياسي.
فتدربوا وتأهلوا، بعد أن تحلوا بروح وطنية، ليثبتوا أن الكفاءة الجزائرية قادرة على صناعة الحلول وتحمل المسؤولية، وتشكيل ملامح جيل جديد يخوض معركة السيادة الصناعية بكل احترافية واقتدار. إنه أحد المشاريع التي أعادت الأصل المنهوب إلى الشعب، وتحول إلى استثمار يبني الثروة.
طمـوح صناعـي لدعــم الإنتـاج
بدوره، قال مدير الوحدة عبد القادر علجة بعد استكمال أشغال إنجاز وتهيئة هذا المشروع أن بلوغ هذه المرحلة كان ثمرة جهود كبيرة ومتواصلة، وتعبئة شاملة، وتنسيق محكم بين مختلف الأطراف، كما لم يكن ليتحقق لولا الالتزام الكامل والانخراط التام للجميع، كل من موقعه ومسؤوليته.
وأكد أن مصنع جنرال بلاستيك أنجيكشن ثمرة الإرادة المشتركة وتجسيد لطموح صناعي يهدف إلى دعم الإنتاج الوطني، وتعزيز القدرات المحلية، والمساهمة في خلق الثروة ومناصب الشغل، بما يخدم التنمية الاقتصادية والاجتماعية للجزائر.
ومن جهته، والي ولاية تيسمسيلت راهن على هذا المصنع الجديد في تموين السوق الوطنية، ودعم الاقتصاد الوطني بمنتوج ذا جودة، مشيرا إلى أنه جسد ضمن رؤية متبصرة وحكيمة ترجمت على أرض الواقع لتكسب الجزائر مؤسسة إنتاجية هامة.
وجهزت الوحدة الصناعية بأحدث المعدات، وأرسي فيها نظام رقمي متكامل (Industry 4.0) يرتكز على برنامجين معلوماتيين متطورين، الأول مخصص لإدارة الإنتاج، وأما الثاني موجه لتسيير الصيانة.
وفيما يخص برنامج الإنتاج، فقد صمم ليكون «العقل المدبر» للخطوط الإنتاجية، حيث يربط بشكل آني كافة الآلات، والروبوتات، والأنظمة الآلية. وهذا النظام لا يكتفي بتخطيط الإنتاج بدقة متناهية وفقا للاحتياجات الفعلية، وإنما يمتد ليشمل مراقبة صارمة للجودة، وتتبعا دقيقا للمواد الأولية منذ لحظة الاستلام وحتى خروج المنتج النهائي، مع توفير لوحات قيادة تفاعلية تعرض كافة البيانات والمؤشرات اللحظية لأداء المصنع.
ضمان ديمومـة الإنتاج
أما البرنامج الثاني، وهو نظام التسيير المحوسب للصيانة (GMAO)، يمثل حجر الزاوية في ضمان استمرارية العمل. ويرتبط هذا النظام مباشرة بآلات الحقن والروبوتات، ويدير بكل نجاعة الصيانة الوقائية والتنبؤية والتصحيحية.
وما يميز هذا النظام قدرته على إرسال تنبيهات فورية عند أي خلل أو توقف، بل ويتيح في بعض الحالات التدخل عن بعد، مما يقلص إلى أدنى حد فترات التوقف ويضمن ديمومة الإنتاج.
وعلى الصعيد الميداني، تمر عمليات الإنتاجية بمراحل دقيقة ومترابطة، تبدأ باستلام المواد الأولية «بلاستيك، معادن، إلخ» وإخضاعها لرقابة صارمة، تليها عمليات التجفيف والتحضير وفق أعلى المعايير التقنية.
ثم تنتقل المواد إلى مرحلة الحقن البلاستيكي، والتي تستخدم فيها آلات متطورة، مدعومة بروبوتات ومعدات طرفية ذكية. وعقب ذلك، تخضع القطع لمراقبة جودة شاملة «بصرية، أبعادية، وتحاليل مخبرية « لضمان المطابقة التامة للمواصفات. وحسب متطلبات المنتج، توجه القطع إلى خطوط التجميع، أو اللحام، أو الوسم والترميز.


