أكّد المترجم والمدقّق اللغوي عمار قواسمية، أنّ الترجمة الناجحة تحدث لدى القارئ أثرا قريبا من الأثر الذي أحدثه النص الأصلي، وتحافظ على مقصده وروحه وإيحاءاته، معتبرا أنها لا تقتصر على نقل المعرفة، وإنما تمارس ما يمكن تسميته بـ«الأيض الثقافي”، من خلال إعادة بناء النص داخل الثقافة المتلقية، وأضاف أن المترجم، في مواجهة تطور الذكاء الاصطناعي، لن يكون مجرّد ناقل للكلمات، بل سيظل قادرا على ترجمة النص وفهم ما يتجاوز لغته.
يرى قواسمية أنّ الترجمة “لا تقتصر على نقل المعرفة، وإنما تمارس ما يمكن تسميته بالأيض الثقافي، حيث تبتلع الثقافة المتلقية النص الأجنبي، وتفكّك شفراته الدلالية، ثم تعيد بناءه ليصير جزءا من نسيجها المعرفي الخلوي”.
وعاد بذاكرته إلى تجربة الترجمة في بيت الحكمة، حيث أشار في حديثه لـ«الشعب” إلى أنّ الترجمة تمنح اللّغات فرصة للتجدّد، وضرب مثالا بترجمة الفلسفة اليونانية إلى العربية، قائلا: “عندما تُرجمت الفلسفة اليونانية إلى العربية في بيت الحكمة، لم ينقل المترجمون نصوص أرسطو وأفلاطون بالحرف الواحد، وإنما أعادوا إنتاجها من خلال عدسة إبستيمولوجية (معرفية) عربية وإسلامية”.
وأوضح في تحديده لمعيار الترجمة الناجحة، أنها “لا تقاس بمدى تطابق المعجمين في الأصل والنسخة، إنما بمدى تحقيق التكافؤ التداولي، أي قدرة النص المترجم على إحداث الأثر النفسي والجمالي نفسه في متلقي الهدف، كما أحدثه النص الأصل في متلقيه الأول”.
وتتّضح صعوبة نقل هذا الأثر، بحسب قواسمية، في المثال الذي اختاره من شعر شكسبير، حيث استشهد في سونيتة شكسبير الشهيرة:
Shall I compare thee to a summer’s day
(هل أقارنك بيوم صيفي؟). فالصيف في الوعي الثقافي الإنكليزي يمثل ذروة الجمال، والدفء، والاعتدال القصير بعد شتاء طويل وقاس. لكن ـ يتابع ـ إذا نقلت هذه الاستعارة لفظا إلى الوعي الثقافي العربي (لا سيما الصّحراوي)، فإنّ “اليوم الصيفي” سيستدعي دلالات الجفاف، والقيظ، والحرارة الخانقة..!. ولفت إلى أنّ “المترجم الحصيف يواجه هنا معضلة، هل يخون حرفية النص ويحلّ الصيف محل الربيع للحفاظ على الشحنة الجمالية، أم يحافظ على الحرفية ويضحي بالقصدية؟”. وقال: “الترجمة الناجحة هي التي تدير هذه المفاوضات الشاقة بين الحرف والأثر”.
وفيما يتعلّق بمستقبل الترجمة في ظل الذكاء الاصطناعي، يرى المترجم قواسمية أنّ العلاقة ستتّجه نحو التكامل بين الآلة والمترجم البشري، مع بقاء دور الإنسان في فهم الدلالات الثقافية والإيحاءات التي تتجاوز الكلمات. ويختصر رؤيته بقوله: “وفي ما قلّ ودلّ أقول إنّ الذكاء الاصطناعي يترجم لغة النص، لكن المترجم البشري وحده قادر على ترجمة صمت النص ونبضه الخفي”.







