أكّد الشاعر والأكاديمي أزراج عمر، أنّ الترجمة لا يمكن اختزالها في مجرد نقل الكلمات والمعاني من لغة إلى أخرى، وإنما تمثل فعلا حضاريا وتواصليا يسمح للأمم بالانفتاح على التجارب الإنسانية المختلفة، ونقل المعرفة والفكر والأدب والفنون والعلوم من فضاء لغوي وثقافي إلى آخر، معتبرا أنّ الترجمة تعكس طموح الشعوب إلى الحوار والمثاقفة والاستفادة من منجزات الآخر.
أوضح أزراج في حديثه لـ«الشعب” بمناسبة اليوم العالمي للترجمة، أنّ أهمية الترجمة في نقل المعرفة الفكرية والفلسفية والأدبية والفنية والمهنية، أصبحت موضوعا حاضرا في مختلف الدراسات والنقاشات، غير أنه يرى أن الترجمة، في جوهرها، تتجاوز كل التعريفات التقليدية، باعتبارها ظاهرة حضارية وإعلانا عن رغبة أمة في إقامة حوار مع التجارب الإنسانية في مختلف أشكال التعبير.
وأوضح أنّ فهم الآخر لا ينفصل عن فهم الذات، مستندا في ذلك إلى تصور هيغل حول علاقة الأنا بالآخر، مشيرا إلى أنّ الآخر ليس مجرّد وجود بشري، وإنما هو أيضا كائن حضاري تعكسه تجربته في المعرفة والإبداع والفكر والفن والعلوم التطبيقية، من المعمار والتقنية إلى الطب وغيرها من المجالات
وفي هذا السياق، يرى أزراج أنّ الجزائر لم تنتبه بعد بالقدر الكافي، إلى هذه الأبعاد المتشابكة للترجمة، إذ ظلت منذ سنوات الاستقلال تعتمد بدرجة كبيرة على ترجمات أنجزت في فضاءات أخرى، سواء أوروبية وغربية أو عربية مشرقية، واعتبر أنّ هذا الوضع ساهم في النظر إلى الترجمة باعتبارها نقلا شكليا للمعارف، في حين يفترض أن تكون فعلا تواصليا مرتبطا بالتقدم، وجزءا من مشروع التنمية الوطنية وتنمية الإنسان.
وحول معايير الترجمة الناجحة، أوضح المتحدث أنّ العملية تبدأ أولا بتحديد الهدف الجوهري من الترجمة، ثم توفير المؤسّسات والكفاءات القادرة على تحقيقه، مشدّدا على ضرورة وجود ما يسمّيه توماس كون بـ«المتحد العلمي” أي مجتمع متخصّص يجمع المشتغلين بفن وعلم الترجمة، بما يسمح بتبادل الخبرات ومراجعة الأعمال وتفادي العشوائية.
كما شدّد على أن فهم ثقافة النص الأصلي شرط أساسي للحفاظ على روحه وخصوصيته، خاصة في النصوص الأدبية والشعرية، حيث يصعب نقل البنية الأسلوبية والروح الفنية بصورة كاملة، ويرى أن الترجمة الأدبية تظل مهما بلغت جودتها، تأويلا وتقريبا، وهو ما يجعل تكوين المترجم ودربته في التعامل مع المجاز والإيحاء واللغة الفنية عناصر أساسية في نجاح العملية.
أمّا بشأن مستقبل الترجمة في ظل الذكاء الاصطناعي، فيعتبر أزراج أنّ التقنيات الحديثة تمثل أدوات مساعدة مهمة للمترجم والعاملين في حقول المعرفة، لكنها لا تستطيع إلغاء دوره، باعتبار أنّ الترجمة تحتاج إلى الفهم والتأويل والتدقيق والتمحيص ومقارنة النص المترجم بالأصل، وأكّد أنّ التطور التقني مهما بلغ، لا يلغي خصوصية التجربة الإنسانية التي تقف وراء الإبداع الفكري والعلمي والأدبي، ليبقى مستقبل الترجمة، في نظره، قائما على التكامل بين الأدوات الحديثة وخبرة الإنسان، لا على استبدال أحدهما بالآخر.







