من «السعر العادل» إلى «دبلوماسية المزيج الطاقوي»
الجزائر تعزّز موقعها بين استقرار السوق وأمن الإمدادات والتحول الطاقوي
تواصل الجزائر تعزيز حضورها في المشهد الطاقوي الدولي، باعتبارها دولة منتجة ومصدّرة للنفط والغاز، وفاعلا في دعم استقرار أسواق الطاقة وتقريب وجهات النظر بين المنتجين، انطلاقا من رؤية تقوم على التوازن بين استقرار السوق وأمن الإمدادات ومتطلّبات التحول الطاقوي.
يرى البروفيسور علي شقنان، خبير الطاقات المتجدّدة والانتقال الطاقوي، في حديث مع «الشعب»، أنّ الجزائر تؤدي اليوم دورا يتجاوز موقعها كمنتج ومصدّر للطاقة، لتصبح «بوصلة التوازن داخل أوبك+»، بفضل قدرتها على تقريب وجهات النظر والدفاع عن «السعر العادل»، إلى جانب امتلاكها ورقة الغاز ومشاريع استراتيجية تفتح أمامها آفاقا أوسع في دبلوماسية الطاقة.
الجزائر.. مهندس التوافقات
أكّد البروفيسور علي شقنان أنّ الجزائر استطاعت أن تكرّس لنفسها صورة «مهندس التوافقات» داخل «أوبك» ثم «أوبك+»، من خلال دبلوماسية طاقوية تقوم على الحوار وتقريب مواقف الدول المنتجة، مشيرا إلى أنّ هذا الدور يرتبط بحجم الإنتاج، وبالثقة التي تحظى بها الجزائر وقدرتها على بناء الجسور بين مختلف الأطراف.
واعتبر أنّ الجزائر تعتمد في تحرّكها على ما يسميه «الدبلوماسية الهادئة التقنية»، التي تسمح لها بالمساهمة في معالجة الخلافات والبحث عن أرضيات مشتركة، موضّحا أنّ الحفاظ على تماسك المنتجين يتطلّب مرونة وقدرة على التوفيق بين المصالح المختلفة.
وشدّد شقنان على أنّ الجزائر تدافع عن «السعر العادل»، باعتباره أساسا لاستقرار السوق وضمان مصالح المنتجين والمستهلكين، مؤكّدا أنّ استقرار الأسعار يرتبط بالوصول إلى مستوى يسمح باستمرار الاستثمارات وضمان أمن الطاقة، بعيدا عن تقلّبات حادة في اتّجاهات الأسعار.
بوصلة التوازن داخل «أوبك+»
بالنسبة للدور الحالي للجزائر داخل «أوبك+»، قال الخبير إنّ تأثيرها يتجاوز حجم إنتاجها، بالنظر إلى مساهمتها في آليات التنسيق والمتابعة، وقدرتها على الدفع نحو التوافق بين كبار المنتجين.
ووصف الجزائر بأنها «بوصلة التوازن داخل أوبك+»، مشيرا إلى أنّ حضورها في آليات العمل المشترك، والتزامها بالتنسيق والقرارات الجماعية، يعزّزان موقعها في المنظومة.
ويرى أنّ آليات الحوكمة داخل «أوبك+» أصبحت أكثر مؤسّساتية واستدامة ومرونة وشفافية، وأنّ التنسيق بين الدول المنتجة يقوم على المتابعة المستمرّة وتحليل المخاطر واتخاذ الإجراءات الاستباقية والوقائية، إلى جانب الاستجابة لاضطرابات السوق.
وفي هذا السياق، أبرز شقنان أهمية عمل لجنة المراقبة الوزارية المشتركة ومتابعة مستويات الالتزام بالإنتاج، معتبرا أنّ هذه الآليات ساهمت في جعل إدارة السوق أكثر قدرة على الاستجابة للظروف المتغيّرة.
من النفط إلى دبلوماسية المزيج الطاقوي
يرى الخبير أنّ المرحلة المقبلة تفرض على الجزائر الانتقال من الدبلوماسية الطاقوية التقليدية إلى ما يسميه «دبلوماسية المزيج الطاقوي».
وأوضح أنّ الجزائر تستطيع توسيع حضورها ليشمل مختلف عناصر قوتها الطاقوية، وفي مقدمتها الغاز الطبيعي، الذي يعتبره «وقودا انتقاليا» مهما في المرحلة التي تفصل العالم عن منظومة طاقوية أقل انبعاثا.
وأكّد أنّ الجزائر تملك موقعا يسمح لها بأن تكون مورّدا آمنا وموثوقا للغاز، بالتوازي مع تطوير مشاريع الهيدروجين النظيف الموجّهة إلى أوروبا، وتعزيز حضور الطاقات المتجدّدة، بما يسمح ببناء مزيج طاقوي أكثر توازنا. وأضاف أنّ الانتقال الطاقوي يجب أن يكون «عادلا ومنظما»، لأنّ خفض الانبعاثات يرتبط بأمن الطاقة وبحاجة الاقتصاد العالمي إلى إمدادات مستقرّة.
«البرميل الأنظف» وخفض البصمة الكربونية
شدّد شقنان على أنّ الجزائر مطالبة، في الوقت نفسه، بالعمل على جعل إنتاجها الطاقوي أكثر تنافسية من خلال خفض البصمة الكربونية، مبرزا أهمية الحدّ من حرق الغاز المصاحب، وتطوير تقنيات احتجاز الكربون وتخزينه، والعمل على إنتاج ما يسميه «البرميل الأنظف».
واعتبر المتحدث أنّ هذه المسألة ستكتسب أهمية أكبر في الأسواق الدولية، مع تشدّد المعايير البيئية وارتفاع أهمية البصمة الكربونية في تقييم المنتجات الطاقوية، مؤكّدا أنّ الجزائر قادرة على الجمع بين المحافظة على مكانتها كمصدر للطاقة ومواكبة التحول الطاقوي، من خلال الاستثمار في التكنولوجيا وخفض الانبعاثات وتطوير الطاقات النظيفة، إلى جانب مواصلة الاستثمارات في الطاقة التقليدية وفق متطلبات المرحلة.
أمن الطاقة والتحول.. معادلة التوازن
أشار الخبير إلى أنّ التحدي الحقيقي يتمثل في تحقيق التوازن بين خفض الانبعاثات وضمان أمن الطاقة، معتبرا أنّ الغاز يمكن أن يؤدي دورا محوريا كجسر في مرحلة الانتقال، مؤكّدا أن العالم يحتاج إلى انتقال طاقوي منظم، لأنّ أمن الإمدادات يظل عنصرا أساسيا بالنسبة للاقتصادات والمجتمعات.
ومن هذا المنطلق، يرى محدثنا أنّ استقرار سوق الطاقة الذي تُسهم فيه آليات «أوبك+» يشكّل، بدوره، شبكة أمان تسمح باستمرار الاستثمارات في قطاع الطاقة، بما فيها الاستثمارات المرتبطة بالطاقات النظيفة. وأضاف أنّ تطوير احتجاز الكربون وتخزينه، وتقليص حرق الغاز، وتحسين الكفاءة، كلها عناصر تسمح للجزائر بالمساهمة في التحول الطاقوي مع المحافظة على موقعها كمصدر موثوق.
أنبوب الغاز العابر للصّحراء.. ورقة في أمن الطاقة
ربط البروفيسور شقنان بين هذه الرؤية ومشروع أنبوب الغاز العابر للصّحراء، الذي يرى فيه امتدادا للدبلوماسية الطاقوية الجزائرية، ومشروعا يتجاوز وظيفة نقل الغاز، وأكّد أنّ المشروع الذي يربط نيجيريا والنيجر والجزائر يكتسي أهمية استراتيجية، بالنظر إلى ما يمكن أن يوفّره من إمكانات لربط موارد الغاز الإفريقية بالأسواق الأوروبية.
ويرى شقنان أنّ الغاز، باعتباره وقودا انتقاليا، يمكن أن يؤدي دورا مهما في المرحلة المقبلة، وأنّ الغاز العابر للصحراء يمكن أن يكون جزءا من منظومة أوسع لتعزيز أمن الطاقة الأوروبي وتنويع الإمدادات، مضيفا أنّ أهمية المشروع تمتد إلى أبعاد اقتصادية وجيوسياسية، من خلال تعزيز التعاون بين الدول المعنية وفتح المجال أمام استثمارات ومشاريع مرافقة.
وبحسب تقدير الخبير، فإنّ الجزائر، من خلال موقعها الجغرافي ودورها في سوق الغاز، يمكن أن تؤدي دورا محوريا في هذا المسار، بما يجعل المشروع إحدى أدوات الدبلوماسية الطاقوية الجزائرية.
جسر للاستقرار الجيوسياسي
أكّد شقنان أنّ الجزائر تستطيع أن تعزّز موقعها باعتبارها «جسرا للاستقرار الجيوسياسي»، بالنظر إلى جمعها بين عدة عناصر في منظومة الطاقة، من النفط والغاز إلى الطاقات المتجدّدة والهيدروجين ومشاريع الربط الإقليمي، مسجّلا أنّ قوة الجزائر ترتبط بمواردها وبقدرتها على الجمع بين الدبلوماسية والطاقة، وبين مصالح المنتجين وأمن المستهلكين، وبين الاستثمارات التقليدية ومتطلّبات الانتقال الطاقوي. ويشدّد على أنّ استمرار تماسك «أوبك+» يحتاج إلى هذا النوع من الدبلوماسية القائمة على الحوار والتنسيق والتوافق، مؤكّدا أنّ الجزائر تملك رصيدا يسمح لها بمواصلة أداء هذا الدور.
نحو موقع متقدّم في المزيج الطاقوي
خلص شقنان إلى أنّ مستقبل الدور الجزائري يمر عبر توسيع مفهوم الدبلوماسية الطاقوية، من إدارة سوق النفط إلى المشاركة في صياغة ملامح المزيج الطاقوي العالمي، ويرى أن تعزيز دور الجزائر داخل «أوبك+»، وترسيخ مكانتها كمورد آمن وموثوق للغاز، وتطوير الطاقات المتجدّدة والهيدروجين الأخضر، وتقليص البصمة الكربونية للإنتاج، إلى جانب مشاريع استراتيجية مثل أنبوب الغاز العابر للصّحراء، يمكن أن يمنح الجزائر أدوات إضافية لتعزيز حضورها في خريطة الطاقة.
وبالنسبة للخبير، فإنّ الجزائر مطالبة بمواصلة لعب دور «بوصلة التوازن داخل أوبك+» و»جسر للاستقرار الجيوسياسي»، مع الانتقال تدريجيا نحو «دبلوماسية المزيج الطاقوي»، بما يجمع بين استقرار الأسواق وأمن الطاقة ومتطلّبات التحول نحو منظومة طاقوية أكثر نظافة.





