دعت فدرالية المتقاعدين بالمغرب كافة المتقاعدين والأرامل وذوي الحقوق إلى المشاركة المكثفة في الاحتجاجات المقرّر تنظيمها تخليداً لفاتح أكتوبر 2026، وذلك للتعبير عن الرفض الشديد لتدهور القدرة الشرائية واستمرار موجة غلاء المعيشة.
وجّهت الفدرالية، في بيان لها، رسالة حازمة للأحزاب السياسية الفائزة بمقاعد في الاستحقاقات التشريعية الأخيرة، مطالبة إياها بالوفاء بوعودها تجاه هذه الفئة التي تراجعت أوضاعها المعيشية بشكل رهيب، وباتت معاشاتها الزهيدة لا تلبي مطالبها الحياتية.
وتقول الفدرالية: «ليس من السهل أن يعيش الإنسان سنوات طويلة من العمل والعطاء، ثم يجد نفسه، بعد بلوغه سن التقاعد، أمام واقع معيشي أكثر قسوة ممّا كان يتوقع. فالتقاعد، الذي يفترض أن يكون مرحلة للراحة والاستقرار بعد عقود من الخدمة، تحوّل بالنسبة إلى شريحة واسعة من المتقاعدين المغاربة إلى مرحلة جديدة من القلق والحاجة والانتظار».
معاشــات لا تســاير الواقــع
المشكلة الأساسية التي يعاني منها المتقاعد المغربي ليست في كونه فقد مصدر العمل فحسب، وإنما في أنّ دخله بعد التقاعد أصبح، بالنسبة إلى كثيرين، عاجزاً عن مواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي عرفها المغرب.
فأسعار المواد الغذائية ارتفعت، وتكاليف السكن والطاقة والنقل والعلاج أصبحت تثقل كاهل الأسر، بينما بقيت معاشات عدد كبير من المتقاعدين محدودة، الأمر الذي أدى إلى تآكل قدرتهم الشرائية تدريجياً.
وما كان يكفي المتقاعد، قبل سنوات، لتغطية جزء مهم من احتياجاته، أصبح اليوم لا يكفي إلا لتغطية الضروريات الأساسية.وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: الأسعار تتحرّك إلى الأعلى، بينما المعاشات تظل في مكانها.
وبمرور السنوات، لا يعود الأمر مجرد عدم استفادة المتقاعد من زيادة في دخله، بل يصبح في حدّ ذاته انخفاضاً فعلياً في قيمة معاشه، لأنّ القوة الشرائية للنقود تتراجع مع ارتفاع الأسعار.
وعــود دون تنفيـذ
على امتداد السنوات، عرف المغرب جولات عديدة من الحوار الاجتماعي بين الحكومة والنقابات العمالية، وجرى خلالها بحث ملفات عديدة تهم الطبقة العاملة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: أين يوجد المتقاعدون في هذه المعادلة؟
إنّ المتقاعد ليس مواطناً انتهى دوره بمجرد مغادرته مقر عمله. إنه مواطن ما زال يعيش في المجتمع ويستهلك ويدفع ثمن ارتفاع الأسعار ويحتاج إلى العلاج والسكن والغذاء والنقل، وله أسرة والتزامات وحاجات يومية.
لذلك فإنّ إخراج المتقاعد المغربي من دائرة الاهتمام الاجتماعي بمجرّد انتهاء مساره المهني أمر يحتاج إلى مراجعة. فالحوار الاجتماعي لا ينبغي أن يكون مناسبة للتفاوض حول مصالح العاملين فقط، بل ينبغي أن يمتد أثره إلى من أفنوْا جزءاً كبيراً من حياتهم في خدمة المجتمع.
المتقاعد المغربي لا يطلب صدقة، إنه يطالب بحقّه في العيش الكريم، وبأن تحافظ الدولة على قدر معقول من التوازن بين معاشه وبين مستوى الأسعار الذي يفرضه الواقع الاقتصادي.
لقد أمضى سنوات من عمره في العمل، واقتُطعت من دخله مساهمات مرتبطة بالتقاعد، ولذلك فإنّ الحديث عن تحسين أوضاع المتقاعدين ينبغي أن ينطلق من مفهوم الحق والكرامة والعدالة الاجتماعية، لا من منطق الإحسان.
فالمجتمع الذي يطالب أبناءه بالعطاء والعمل والانضباط طوال حياتهم المهنية، مطالب أيضاً بأن يضمن لهم، عندما تتقدّم بهم السن، حياة تحفظ كرامتهم.
المطلوب ليس المستحيل
لا يطالب المتقاعدون المغاربة بما يفوق قدرة الدولة، وإنما يطالبون بسياسة عادلة تراعي واقعهم المعيشي.
ومن بين الحلول التفكير في آلية منتظمة لمراجعة المعاشات وربطها، بصورة مدروسة، بمؤشّرات التضخّم وارتفاع تكاليف المعيشة، حتى لا يجد المتقاعد نفسه كل بضع سنوات أمام معاش فقد جزءاً كبيراً من قيمته الحقيقية.
كما أنّ تحسين التغطية الصحية، وتخفيف الأعباء المرتبطة بالعلاج والأدوية، يمكن أن يشكّل جزءاً أساسياً من أي سياسة جادة لتحسين أوضاع المتقاعدين.
فالزيادة في المعاش مهمة، لكن المحافظة على صحة المتقاعد وتقليص نفقات علاجه لا تقل أهمية عنها.


