تيجانـي تامـــة: آليـــات جديــدة لتوسيــع دائــرة المستفيدين مــن المعرفـــــة
انطلقت أول أمس بالمكتبة الوطنية الجزائرية “الحامة” فعاليات “مهرجان الكتاب المقروء”، الذي تنظمه وزارة الثقافة والفنون من 26 سبتمبر إلى 5 أكتوبر القادم عبر مختلف ولايات الوطن، في تظاهرة ترمي إلى إعادة الاعتبار للكتاب وتشجيع المطالعة، وفتح نقاش وطني حول واقع القراءة وتحدياتها، لاسيما في ظل التحولات التي تفرضها الوسائط الرقمية على علاقة القارئ بالنص والمعرفة.
تقام التظاهرة تحت رعاية وزيرة الثقافة والفنون مليكة بن دودة، حيث شهد افتتاحها تقديم محاضرة بعنوان “تحوّلات القراءة في العصر الرقمي”، نشّطها كل من الأستاذ حمزة قريرة والباحث اليامين بن تومي، وتناولت التحولات التي يعرفها فعل القراءة في ظل التطور التكنولوجي، إلى جانب أبعادها الاجتماعية والتاريخية والثقافية.
وبالمناسبة، أكّد مدير الكتاب والمطالعة العمومية بوزارة الثقافة والفنون، تيجاني تامة، خلال افتتاح المهرجان، أنّ هذه التظاهرة الوطنية تمثل فضاء لفتح نقاش حول واقع القراءة والكتاب، وسبل دعم المطالعة وتعزيز حضورها في المجتمع، مبرزا أن المبادرة تقوم على منح الكتاب “حياة أخرى” من خلال إخراجه من رفوف المكتبات والخزائن وإيصاله إلى قراء جدد.
وأوضح أنّ المهرجان شهد مساهمة عدد من المؤسسات التي تتوفر على أرصدة مهمة من الكتب، والتي بادرت، بالشراكة مع المنظمين، إلى إتاحتها مجانا للقراء، إلى جانب مشاركة مواطنين يرغبون في إهداء كتبهم وتبادلها، بما يسمح بتوسيع دائرة المستفيدين من المعرفة.
وفي مداخلته ضمن المحاضرة، تناول الأستاذ حمزة قريرة أستاذ بجامعة ورقلة، التحولات التي طرأت على فعل القراءة بفعل التطور التكنولوجي وتعدد الوسائط، موضّحا أن الانتقال من الكتاب الورقي إلى الشاشة الرقمية لم يغير شكل الكتاب فقط، وإنما مس جوانب مختلفة من عملية القراءة، بما فيها علاقة الكاتب بالنص والقارئ بالوسيط الذي تنتقل عبره المعرفة.
وأشار إلى أنّ التحول الرقمي أعاد طرح أسئلة تتعلق بعناصر عملية القراءة، من الكاتب والنص إلى القارئ والوسيط، معتبرا أن تغير أحد هذه العناصر يؤدي إلى تحول عميق في طبيعة القراءة والتلقي. كما توقف عند الاختلاف بين الكتابة والقراءة الورقية والتعامل مع لوحة المفاتيح والشاشة، وما يترتب عن ذلك من تغير في علاقة الإنسان بالنص.
كما أشار إلى أنّ إدخال التكنولوجيا في المجال التعليمي لا يؤدي بالضرورة، بصورة آلية، إلى تحسين النتائج، مستشهدا بدراسات دولية تناولت أثر الاستثمار في تكنولوجيات الإعلام والاتصال على التحصيل الدراسي، وهو ما يجعل الرهان مرتبطا بكيفية استخدام الوسائط الرقمية ومضامينها، وليس بمجرد توفرها.
من جهته، ركّز اليامين بن تومي أستاذ بجامعة باتنة، على البعد الاجتماعي والتاريخي لفعل القراءة، معتبرا أنّ دراسة أنماط القراءة تسمح بفهم طبيعة المعرفة التي تتحكم في الثقافة الجزائرية، بالنظر إلى ارتباطها بمؤسسات متعددة، من المدرسة والجامعة إلى مختلف الفضاءات المنتجة للمعرفة.
وأوضح أنّ القراءة ليست فعلا فرديا معزولا، وإنما تتشكل داخل سياقات اجتماعية وتاريخية، ما يجعل تفكيك أشكال القراءة مدخلا لفهم طبيعة المعرفة السائدة والمؤسسات التي تساهم في إنتاجها وتوجيهها.
كما توقف عند التحولات التي عرفتها القراءة في الجزائر، مشيرا إلى ارتباطها في مراحل تاريخية مختلفة بمشاريع ثقافية ومؤسساتية سعت إلى بناء المعرفة وتوسيع الوعي، قبل أن تعرف هذه العلاقة تحولات أخرى جعلت بعض أنماط القراءة أكثر ارتباطا بالماضي والذاكرة.
ودعا بن تومي إلى التفكير في شكل جديد للقراءة يكون منفتحا على العالم والتحولات المعاصرة، وعلى القراءة الرقمية باعتبارها إحدى الأدوات الجديدة للوصول إلى المعرفة، مع الحفاظ على الوعي الوطني والتاريخي وعدم الانغلاق داخل نمط واحد من القراءة.
وتتقاطع هذه الطروحات مع أهداف مهرجان الكتاب المقروء، الذي لا يكتفي بتوفير الكتاب وتشجيع تبادله وإهدائه، وإنما يفتح أيضا نقاشا حول مستقبل القراءة وعلاقتها بالتحولات التكنولوجية والاجتماعية، في محاولة للانتقال من مجرد المحافظة على عادة المطالعة إلى بناء ثقافة قراءة متجددة قادرة على مواكبة العصر.
للإشارة، تتواصل فعاليات المهرجان إلى غاية 5 أكتوبر المقبل عبر مختلف ولايات الوطن، في مسعى إلى جعل المطالعة سلوكا يوميا ونمط حياة، وتشجيع تداول الكتاب ومنحه فرصا جديدة للوصول إلى قراء جدد، بما يعزز حضور المعرفة والقراءة في المجتمع.







