أكد الأستاذ والسينوغرافي والأكاديمي زيتوني بومدين، في حديثه لـ»الشعب» أن السينوغرافيا أصبحت جزءا جوهريا من عملية إنتاج الدلالة داخل العرض المسرحي، باعتبارها منظومة متكاملة تتفاعل فيها مختلف العناصر البصرية مع جسد الممثل والحركة والصوت والزمن، مشيرا إلى أن قيمتها لا ترتبط بفخامة الديكور أو كثرة التجهيزات، وإنما بقدرتها على خدمة الرؤية الإخراجية وبناء علاقات جمالية ودلالية بين مكوّنات العرض.
أوضح زيتوني أن الفضاء المسرحي يمكن أن يتحوّل إلى علامة تعبر عن السلطة أو العزلة أو الصراع، فيما تساهم الإضاءة في توجيه انتباه المتلقي وتحديد بؤرة اهتمامه، ويحمل اللون أبعادا نفسية ورمزية وثقافية، بينما يتجاوز الديكور وظيفته التمثيلية ليصبح عنصرا فاعلا في تشكيل العالم المتخيل للعرض.
واعتبر زيتوني بومدين أن أحد أبرز التحولات التي عرفتها السينوغرافيا يتمثل في انتقالها من مجرد تأثيث الخشبة إلى صناعة الحكاية، حيث لم تعد تكتفي باحتضان الأحداث، بل أصبحت قادرة على تقديم معلومات عن الشخصيات والأزمنة والأمكنة، والكشف عن الصراعات والعلاقات دون الحاجة إلى الحوار ومن هذا المنطلق، تتحوّل العناصر السينوغرافية إلى وسيلة سردية تساهم في تطور الأحداث وبناء دلالاتها.
كما شدد على أهمية دور السينوغرافيا في تعزيز تجربة المتلقي، من خلال استثارة حواسه وذاكرته وخياله، وخلق علاقة تفاعلية مع العرض، مؤكدا أن اندماجه لا يتحقق بكثرة المؤثرات البصرية، وإنما بقدرة الصورة المسرحية على إثارة فضوله وترك مساحة له للاكتشاف والتأويل، ليصبح مشاركا في إنتاج المعنى.
وفيما يتعلق بالتقنيات الرقمية والواقع الافتراضي، أوضح الأكاديمي زيتوني أنها تتيح إمكانات جديدة لتوسيع الفضاء المسرحي وإثراء الصورة، غير أن توظيفها ينبغي أن يظل مرتبطا بالحاجة الفنية والدرامية، محذرا من تحولها إلى مجرد استعراض تقني يطغى على الممثل واللغة المسرحية.
وفي هذا الإطار، يلخص المتحدث رؤيته في سؤال جوهري ينبغي أن ينطلق منه السينوغرافي: «ماذا يحتاج العرض كي يقول ما يريد قوله؟»، بدل الانشغال بما تستطيع التكنولوجيا تقديمه.
وخلص زيتوني بومدين إلى أن مستقبل السينوغرافيا الرقمية في المسرح الجزائري يرتبط بقدرة المبدعين على توظيف التقنيات الحديثة بوعي فني، مع توفير التكوين المتخصص والبنية التقنية اللازمة، بما يسمح بتجديد لغة العرض المسرحي دون التفريط في هويته الجمالية والثقافية.


