مخلوف لـ “الشعب”: الرئيس تبون حسم الموقف بشكل لا رجعة فيه
يرى المحلل السياسي وديع مخلوف أن التصريحات التي أدلى بها رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، بشأن العلاقات الجزائرية الإماراتية، تحمل دلالة “قوية”، خاصة في ظل تأكيده أن قرار قطع العلاقات لا رجعة فيه، بعد أن بلغت الممارسات الإماراتية، حسب تعبيره، مستوى لم يعد بالإمكان التغاضي عنه.
أوضح مخلوف في تصريح خص به “الشعب” أن العبارة التي وردت في حديث رئيس الجمهورية تختزل مسارا من التراكمات التي دفعت الجزائر إلى الانتقال من مرحلة التحفظ والتريث إلى اتخاذ موقف حاسم، بعدما رأت أن استمرار بعض السياسات والممارسات لم يعد منسجما مع طبيعة العلاقات التي يفترض أن تجمع البلدين.
واعتبر المتحدث أن القرار الجزائري، لم يكن وليد ظرف آني أو رد فعل على موقف منفرد، وإنما جاء، بحسب قراءته، بعد فترة من الصبر والحكمة ومحاولة الحفاظ على الروابط الأخوية والتاريخية التي جمعت الجزائر بالإمارات، قبل أن تصل الأمور إلى مرحلة فرضت موقفا أكثر حزما.
وأشار المحلل إلى أن تأكيد رئيس الجمهورية عدم وجود رجعة في قرار قطع العلاقات يحمل دلالة سياسية واضحة، إذ يعكس تمسك الجزائر بقراراتها السيادية عندما ترى أن الظروف التي أدت إلى اتخاذها ما تزال قائمة. فالقرار، حسب مخلوف، “جاء بعد استنفاد مساحة التريث، وبالتالي فإن التراجع عنه لا يمكن أن يكون مطروحا ما دامت الأسباب التي أدت إليه لم تتغير”.
وفي قراءته لاستخدام رئيس الجمهورية أبياتا شعرية خلال حديثه عن العلاقات مع الإمارات، اعتبر مخلوف أن هذا التوظيف حمل بعدا سياسيا، من خلال التذكير بمواقف الجزائر السابقة وعلاقاتها التاريخية مع محيطها العربي، وما قدمته من دعم في مراحل صعبة، مقابل ما يعتبره الجانب الجزائري مواقف وسياسات إماراتية لم تراع بالقدر نفسه طبيعة تلك الروابط.
ويرى محدثنا أن الرسالة الأساسية هنا تتمثل في أن العلاقات بين الدول لا تقوم فقط على المصالح والاتفاقيات، وإنما تحتاج أيضا إلى الثقة والاحترام المتبادل والوفاء بما تفرضه الروابط التاريخية، مضيفا أن الجزائر، عندما اتخذت قرار قطع العلاقات، كانت تدرك طبيعة الخطوة وتداعياتها، لكنها وضعت في مقدمة حساباتها مسألة السيادة الوطنية واستقلالية القرار.
وبحسب مخلوف، فإن أي محاولة للتأثير في القرار الجزائري أو التدخل في شؤونه الداخلية تمثل بالنسبة للجزائر مسألة غير قابلة للتفاوض، باعتبار أن استقلال القرار السياسي يشكل أحد المبادئ الأساسية التي قامت عليها الدولة الجزائرية بعد الاستقلال.
وفي السياق ذاته، توقف المحلل عند إشارة رئيس الجمهورية إلى أكثر من خمسة ملايين شهيد، معتبرا أن استحضار هذه الذاكرة الوطنية لم يكن مجرد تعبير رمزي، وإنما رسالة تؤكد أن السيادة الجزائرية ارتبطت تاريخيا بتضحيات كبيرة، وأن استقلال القرار الوطني لم يتحقق بسهولة حتى يكون قابلا للتنازل أو التأثير الخارجي. ولذلك، فإن الحديث عن السيادة في الخطاب الرئاسي، حسب مخلوف، يرتبط بذاكرة وطنية وبقناعة راسخة بأن حماية القرار الوطني جزء من صميم الدولة الجزائرية.
وأوضح أن الرسالة التي حملتها تصريحات رئيس الجمهورية لا ترتبط بالعلاقات الجزائرية الإماراتية وحدها، وإنما تتصل بمبدأ أوسع في السياسة الخارجية الجزائرية، مفاده أن التعاون والانفتاح على مختلف الدول لا يعني القبول بالتدخل في الشؤون الداخلية أو بمحاولات التأثير في القرار السيادي. فالجزائر، وفق هذه القراءة، يمكن أن تطور علاقاتها مع مختلف الشركاء، لكنها في الوقت نفسه تضع حدودا واضحة عندما يتعلق الأمر بسيادتها ومصالحها الوطنية.
وفي قراءة أوسع، يرى مخلوف أن تصريحات رئيس الجمهورية تحمل كذلك رسالة إلى مختلف الفاعلين الإقليميين والدوليين مفادها أن الجزائر، رغم انفتاحها على التعاون والشراكة، لا تقبل أن تتحول هذه العلاقات إلى وسيلة للتأثير في خياراتها أو مواقفها. فالاستقلالية في القرار، بالنسبة للجزائر، ليست موقفا ظرفيا وإنما مبدأ يرتبط بتاريخ الدولة وطبيعة سياستها الخارجية.




