محــرّك اقتصــادي إقليمـي يربـــط حوض المتوســط بالساحــل وعمــق إفريقيـــا
أفاد رئيس مجلس الاستثمار والتعاون الدولي، إسماعيل حمروني، أنّ مشروع خط السكة الحديدية الرابط بين شمال البلاد وأقصى الجنوب، يُشكِّل تحولاً استراتيجيًا فارقًا في جغرافية التنمية الاقتصادية الجزائرية.
سفيان حشيفة
أبرز اسماعيل حمروني، في اتصال مع «الشعب»، أنّ موافقة مجلس الوزراء على تمويل مشروع خط السكة الحديدية المنيعة-تمنغست، من طرف البنك الإفريقي للتنمية (AfDB)، تحمل دلالات اقتصادية وجيو-سياسية عميقة، بعد سلسلة موافقات سابقة للبنك الإقليمي لدعم مراحل هذا المشروع الحيوي على طول المحور المذكور.
وأوضح حمروني، أنّ الجزائر تعدّ عضوًا مؤسّسًا ومساهمًا رئيسًا في هذه المؤسّسة المالية الإفريقية، واللّجوء إلى تمويلاتها الميسّرة خطوة تضمن مرونة شروط الدفع ودعم الشراكة التنموية القارية، مشيرًا أنّ هذا القرض يتيح توفير تدفّقات مالية وتخفيف الضغط عن الخزينة العمومية وميزانية التجهيز المحلية، مع توجيه الموارد الوطنية نحو البرامج والمشاريع التنموية والاجتماعية والخدمية المباشرة.
كما أسدى رئيس الجمهورية تعليمات بتشغيل وربط كافة أشطر المحور السّككي، ليكون المشروع كاملاً وقابلاً للاستغلال الفعلي لنقل المسافرين والأنشطة الاقتصادية بحلول نهاية عام 2028، وهو توجيه زمني صارم يضع الجهات المنفذة أمام تحدي الفراغ من الإنجاز في الآجال المحدّدة، بحسب قوله.
واستنادًا للمصدر ذاته، تعتبر إشادة الرئيس تبون بالكوادر الوطنية، والاعتراف بالأداء الميداني للهندسة والشركات الحكومية التي تتولى تنفيذ هذا الخط الشرياني، في محلّها، نظير التطور الكبير الذي تعرفه هذه المؤسّسات العمومية الكبرى، وتوفّرها على كفاءات وإطارات عالية التأهيل، قادرة على إنجاز المشاريع الاستراتيجية بجودة وإتقان.
وبخصوص الأبعاد الاستراتيجية الوطنية والإقليمية للمشروع، رأى حمروني، أنه سيُضفي ديناميكية تنموية واقتصادية كبرى، وسيُؤدّي إلى خفض تكاليف النقل وفكّ عزلة ولايات أقصى الجنوب، ويُقلِّل من الاعتماد شبه الكلّي على النقل البري المكلّف، متوقّعًا تراجع تكلفة لوجستيات نقل المنتجات الفلاحية والغذائية ومواد البناء نحو الجنوب بأكثر من 40%، وهو ما سينعكس مباشرة على أسعار السلع والقدرة الشرائية للمواطنين. مع ربط قطاعات الطاقة والتعدين والفلاحة بشبكة السّكة الحديدية، لتكون شريان نقل المواد الخام والمنتجات المنجمية من مناطق الاستخراج نحو المصانع والمعامل والموانئ البحرية للتصدير، وكذا ربط مناطق الاستصلاح والاستثمار الفلاحي الحديثة في غرداية والمنيعة وأدرار وعين صالح بمراكز الاستهلاك الوطنية.
علاوة على ذلك، تثبيت السكان والحدّ من الفوارق التنموية بين ولايات الجمهورية، وإيجاد مناطق ومراكز نشاط اقتصادية جديدة على طول محطات وخط السكة الحديدية، والحدّ من ظاهرة التمركز السكاني في الشريط الساحلي الشمالي، ودعم الجاهزية اللّوجستية في الجنوب الكبير، وتوفير مرونة نقلية عالية ودعم لوجستي للدولة، للانتشار والتأمين عبر حدودها المترامية والشاسعة جدًا، وفقًا له.
أمّا في ما تعلّق بالاندماج الإقليمي والعمق الأفريقي، كشف حمروني، أنّ هذه الخط السّككي الضخم، سيجعل من ولاية تمنغست بوابة لدول الساحل، ونقطة ارتكاز لوجستية وإقليمية بربطها بالشبكة الوطنية للسّكك الحديدية، لافتًا إلى أنها ستحتضن منصّات لتجميع وتوزيع البضائع (Logistics Hub) نحو النيجر ومالي وتشاد وعمق دول غرب إفريقيا، في إطار منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، بالموازاة مع إنجاز الطريق العابر للصّحراء.
ويتطلّب تحقيق الهدف المسطّر بحلول نهاية سنة 2028 تجاوز عدة تحديات ميدانية، منها التغلّب على التضاريس القاسية، إذ تقتضي الطبيعة الصّحراوية ممارسات هندسية متطورة معقّدة لتفادي خطورة زحف الرمال وحماية قضبان السكة في بيئات العرق الكبير، ومواجهة التغيّرات المناخية باعتماد معايير متقدمة في المواد المستخدمة لتتحمّل الفوارق الحرارية العالية والزوابع الشديدة والرياح العاتية، وحماية أجهزة الإشارة والتحكّم الإلكتروني.
ناهيك عن العمل بجدول زمني مكثف من خلال الالتزام بنظام عمل متواصل (24/7)، وحشد قدرات المؤسّسات الوطنية والمقاولات والهندسية لضبط جدول التسليم المسطّر، يقول محدثنا.
وخلص اسماعيل حمروني إلى التأكيد على أنّ ثقة المؤسّسات الدولية في الجزائر يعكسه دعم البنك الإفريقي للتنمية (AfDB) وقناعته بجدوى مشروع خط السكة الحديدية المنيعة -تمنغست اقتصاديًا وماليًا، واعترافًا بدوره كشريان حيوي للبنية التحتية القارية، مشيرًا أنّ اعتماد التمويل من البنك الأفريقي للتنمية والمصادقة عليه في مجلس الوزراء، يعدّ تحولاً استراتيجيًا، وانتقالاً جديدًا لتطوير شبكة النقل الوطنية والإرتقاء بها من الوضع التقليدي إلى بناء شرايين سككية عصرية للنمو المستدام، وهو ما سيكرّس موقع الجزائر كمحرّك اقتصادي إقليمي وساحلي يربط البحر الأبيض المتوسط بأعماق القارة الأفريقية.
يذكر أنّ رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، شدّد في اجتماع مجلس الوزراء الأخير، على ضرورة تسلّم مشروع السكة الحديدية الأغواط ـ المنيعة ـ إن صالح ـ تمنغست كاملاً بنهاية 2028، حتى يستطيع من خلاله الجزائريون السفر فعليا، عبر القطار من الشمال إلى جنوبنا الكبير، وصولاً إلى تمنغست.
وعقب المصادقة على قبول تمويل مشروع السكة الحديدية من قبل البنك الإفريقي للتنمية، في شطره الممتد من المنيعة إلى تمنغست، كلّف السيد رئيس الجمهورية، وزير الأشغال العمومية بنقل تشكّراته وتشجيعاته لعمّال وتقنيي ومهندسي القطاع، معتبرًا أداءهم الحالي بطوليًا بكل المعايير وأنهم على مقربة من تحقيق حلم الجزائريّين، الذي ظلّ مستعصيًا على الأجيال منذ الاستقلال.

