تأثير سرطان الثدي تبدأ منذ لحظة التشخيص
لا يقتصر تأثير سرطان الثدي على صحة المرأة الجسدية، إذ تبدأ منذ لحظة التشخيص مرحلة أخرى تتطلب مرافقة نفسية، في ظل ما قد يرافقها من خوف وقلق وتغير في صورة الجسد، فضلا عن هاجس عودة المرض حتى بعد انتهاء العلاج، ومع حلول أكتوبر الوردي، تطرح هذه الجوانب سؤالا حول أهمية التكفل النفسي بالمرأة المصابة، ودوره في مساعدتها على تجاوز مختلف مراحل المرض واستعادة توازنها.
أوضحت الأخصائية النفسانية العيادية وفاء معوش، في حديث لـ “الشعب” أن تلقي خبر الإصابة بسرطان الثدي يمثل صدمة نفسية بالنسبة للمرأة، وقد يدفعها إلى المرور بمشاعر متداخلة تبدأ بالصدمة والإنكار، ثم الخوف والحزن والغضب وكذا القلق.
وأضافت أن المرأة قد تشعر في البداية بأن حياتها توقفت عند لحظة سماع التشخيص، خصوصا عندما تجد نفسها أمام أسئلة مرتبطة بمستقبلها وصحتها وأسرتها، مشيرة إلى أن الاستجابة للمرض تختلف من امرأة إلى أخرى بحسب شخصيتها وظروفها الاجتماعية والنفسية.
وترى الأخصائية أن التعبير عن هذه المشاعر يمثل خطوة مهمة في التعامل معها، داعية المحيط إلى الاستماع للمريضة وعدم التقليل من مخاوفها أو مطالبتها بإظهار القوة طوال الوقت، لأن السماح لها بالتعبير عما تشعر به يساعدها على استعادة توازنها تدريجيا.
استئصـال الثدي.. صــراع مـع صـورة الجسـد
ولا يرتبط الأثر النفسي للمرض بالخوف من العلاج فقط، إذ يمكن للتغيرات الجسدية الناتجة عنه أن تترك أثرا عميقا في نفسية المرأة، خاصة في حالات استئصال الثدي وتساقط الشعر.
وتوضح معوش وفاء أن بعض النساء قد يشعرن بأنهن فقدن جزءا من أنوثتهن أو جاذبيتهن بعد استئصال الثدي، وقد تتراجع ثقتهن بأنفسهن بسبب عدم تقبل الصورة الجديدة للجسد، أو بسبب الخوف من نظرة الآخرين.
وتؤكد أن المرافقة النفسية في هذه المرحلة تساعد المرأة على إعادة بناء صورتها عن ذاتها، وفهم أن قيمتها لا تختزل في شكل جسدها، وأن التغير الذي فرضه العلاج لا يلغي أنوثتها أو شخصيتها أو مكانتها داخل أسرتها ومجتمعها.
كما قد يشكل تساقط الشعر ضغطا إضافيا، لأنه يجعل آثار المرض ظاهرة للآخرين، وهو ما يدفع بعض النساء إلى تجنب المناسبات واللقاءات الاجتماعية، خشية نظرة المحيط أو شعورهن بأن المرض أصبح جزءا من صورتهن أمام الناس.
الخـوف من عـودة المــرض معركة ما بعد العـلاج
وبعد انتهاء العلاج، قد تظهر مرحلة أخرى من القلق مرتبطة بالخوف من عودة المرض، وهو هاجس يمكن أن يرافق بعض الناجيات حتى بعد استعادة حياتهن الطبيعية.
وتشير الأخصائية إلى أن مواجهة هذا الخوف لا تعني إنكاره، وإنما التعامل معه بطريقة لا تسمح له بالسيطرة على الحياة اليومية، من خلال التعبير عن المخاوف والعودة تدريجيا إلى النشاطات المعتادة.
وتشدد في هذا الإطار على أهمية المرافقة النفسية ضمن التكفل الشامل بسرطان الثدي، باعتبار أن المرأة لا تواجه أعراضا جسدية فقط، وإنما تمر أيضا بتجربة نفسية تحتاج إلى متابعة ومساندة، خاصة عندما تصبح المشاعر السلبية عائقا أمام حياتها اليومية.
الأســرة.. دعــم بـلا شفقــة
وتلعب الأسرة دورا أساسيا في هذه المرحلة، خاصة الزوج والأبناء، حيث يمكن للدعم العاطفي والاجتماعي أن يمنح المرأة شعورا بالأمان ويساعدها على تجاوز فترات العلاج الصعبة.
وتدعو معوش وفاء أفراد الأسرة إلى الاستماع للمريضة واحترام مشاعرها، مع تجنب المبالغة في الشفقة أو معاملتها كشخص عاجز، مؤكدة أهمية مساعدتها على الحفاظ على استقلاليتها ومشاركتها في القرارات المتعلقة بحياتها.
كما تحذر من عبارات قد تبدو مشجعة لكنها قد تزيد الضغط النفسي، مثل “كوني قوية” أو “لا تفكري في المرض” لأن المرأة قد تحتاج أحيانا إلى من يسمعها ويتفهم خوفها دون تقديم نصائح جاهزة.
وتؤكد أن أفضل دعم يمكن أن تقدمه الأسرة هو الحضور والاستماع والمساندة، مع احترام المساحة الشخصية للمريضة وعدم تحويل المرض إلى محور دائم لكل تفاصيل حياتها.
الحزن طبيعي لكن هناك علامات تستدعي التدخل.
وبخصوص الحزن والقلق اللذين يرافقان التشخيص، توضح الأخصائية أن الشعور بالخوف والحزن في بداية المرض أمر طبيعي، لكن استمرار هذه الحالة بشكل يؤثر في حياة المرأة يستدعي طلب المساعدة المتخصصة.
ومن بين العلامات التي تستوجب الانتباه، العزلة المستمرة، واضطرابات النوم أو الشهية، وفقدان الرغبة في ممارسة الأنشطة المعتادة، إضافة إلى سيطرة اليأس أو الخوف على الحياة اليومية.
وتوضح أن اللجوء إلى الأخصائي النفسي لا يعني أن المرأة غير قادرة على مواجهة المرض، وإنما يمثل وسيلة لمساعدتها على فهم مشاعرها والتعامل معها، واستعادة قدرتها على مواصلة حياتها بصورة أكثر توازنا.
تضامـن لا ينتهــي بنهايـة الشهـر
وبمناسبة أكتوبر الوردي، تؤكد وفاء معوش أن الاهتمام بالصحة النفسية للمرأة المصابة بسرطان الثدي لا ينبغي أن يكون موسميا، لأن الحاجة إلى الدعم تبدأ مع التشخيص وتستمر خلال العلاج وبعده، وقد تمتد حتى مرحلة ما بعد الشفاء.
وتوجه رسالة إلى كل امرأة سمعت حديثا كلمة “سرطان الثدي” مفادها أن التشخيص لا يعني نهاية الحياة، وأن الخوف الذي تشعر به في البداية لا يحدد مستقبلها، داعية إياها إلى عدم مواجهة هذه المرحلة بمفردها، وطلب المساعدة النفسية متى شعرت بالحاجة إليها.
فوراء رحلة العلاج الجسدي، تخوض المرأة رحلة أخرى لاستعادة ثقتها بنفسها والتصالح مع التغيرات التي طرأت على حياتها وجسدها، لذلك فإن مواجهة سرطان الثدي لا تكتمل بالعلاج الطبي وحده، بل تحتاج أيضا إلى مرافقة نفسية وأسرة واعية ومجتمع يساند المرأة في كل مراحل الطريق، لا في أكتوبر الشهر الذي اختار اللون الوردي فقط.






