احتكـاك مباشــــر بالطبيعـة والمجتمــع المحلــي
تجربة ميدانية قطعت مسافات طويلة، وربطت بين الجبل والمدينة والريف عبر أربع ولايات، في صورة تعكس اتساع آفاق السياحة الجزائرية وقدرتها على احتضان أنماط جديدة من المغامرة والاستكشاف، احتفاء بالمقومات السياحية والترويج للوجهات المحلية.
خاض ستة رياضيين من النخبة مسيرة رياضية سياحية راجلة حملت اسم “تحدي القمتين”، بمبادرة من الدليل السياحي المعتمد لولاية البليدة سيدي يخلف أيمن، وبالتنسيق مع مديرية السياحة والصناعة التقليدية لولاية البليدة.
المغامرة التي امتدت من 24 إلى 28 سبتمبر 2026، لم تتوقف عند حدود ولاية واحدة، وإنما شقت طريقها عبر إقليم أربع ولايات هي البليدة والمدية والبويرة وتيزي وزو، على مسافة إجمالية بلغت 225 كيلومتراً مشياً على الأقدام، في رحلة جمعت بين التحدي الرياضي والاستكشاف السياحي والتعرف عن قرب على تنوع المشاهد الطبيعية والمناطق الجبلية التي تزخر بها الجزائر.
من الشريعة إلى لالة خديجة..
رحلـــــة تعـــــــبر الوطـــن
انطلقت المغامرة من أعالي الشريعة، حيث كانت البداية من قمة تافرسيوانت، على ارتفاع 1529 متراً، لتتواصل الرحلة باتجاه بلدية العمارية في ولاية المدية، على مسافة بلغت 53 كيلومتراً صعوداً ونزولاً.
وفي اليوم الثاني، واصل المشاركون السير من العمارية باتجاه بير غبالو (ولاية البويرة)، مروراً ببلديتي بني سليمان والقلب الكبير، في مسافة هي الأطول ضمن مراحل الرحلة، قدرت بـ 62 كيلومتراً.
أما المحطة الثالثة، فقادَت المشاركين من بير غبالو إلى مدينة البويرة، مروراً بعين بسام، على مسافة 37 كيلومتراً، قبل أن تستأنف الرحلة في مرحلتها الرابعة من مدينة البويرة باتجاه أعالي جبال جرجرة، مروراً ببلدية حيزر وتيكجدة وتيزي نيكولال، وصولاً إلى ارتفاع يقارب 1960 متراً، في مسافة بلغت 54 كيلومتراً.
وفي اليوم الخامس والأخير، اتجه المشاركون من تالا رانا نحو القمة، قبل العودة إلى بلدية مشدالله، قاطعين 19 كيلومتراً إضافية، لتُختتم بذلك رحلة استمرت أياماً وامتدت جغرافياً بين عدد من أبرز الفضاءات الطبيعية والسياحية في وسط البلاد.
السياحة لا تتوقف عند حدود الولاية
تكمن أهمية هذه التجربة في كونها تقدم نموذجاً عملياً لسياحة المغامرات والجولات الراجلة، وهي سياحة تقوم على اكتشاف المكان من خلال الحركة والاحتكاك المباشر بالطبيعة المجتمع المحلي، بعيداً عن أنماط الزيارة التقليدية التي تتركز غالباً في وجهة واحدة.
فالمسار الذي جمع الشريعة والمدية والبويرة وجرجرة، أظهر أن السائح والمغامر يمكن أن يتعامل مع المجال الجزائري كفضاء سياحي متكامل، لا كوجهات منفصلة بحدود إدارية.
ومن هذه الزاوية، تبدو “الجولة الراجلة العابرة للولايات” أكثر من مجرد تحدٍّ رياضي؛ إنها طريقة مختلفة لاكتشاف الجزائر، تسمح بربط المناطق السياحية ببعضها البعض، والتعريف بمواقع قد لا تحظى بالقدر نفسه من الحضور في البرامج السياحية التقليدية.
كما تمنح مثل هذه المبادرات فرصة لإبراز تنوع التضاريس والمناظر الطبيعية في البلاد، من جبال الشريعة إلى مرتفعات جرجرة، مروراً بالسهول والمناطق الريفية والبلديات الواقعة على امتداد المسار.
الرياضة بوابة لاكتشاف الوجه الآخر للجزائر
تكشف تجربة “تحدي القمتين” أيضاً عن إمكانية توظيف الرياضة في خدمة السياحة، خصوصاً رياضات المشي الجبلي والمسارات الطويلة والمغامرات في الطبيعة.
فالمشارك في مثل هذه الرحلات لا يكون مجرد زائر يلتقط الصور، وإنما يتحول إلى مستكشف يقطع المسافات ويتعرف على التضاريس ويتفاعل مع السكان ويتوقف في مناطق مختلفة، وهو ما يجعل الرحلة في حد ذاتها جزءاً من المنتج السياحي.
وبمشاركة رياضيين من النخبة، قدمت التظاهرة كذلك صورة عن قدرة الرياضة على تجاوز بعدها التنافسي لتصبح وسيلة للترويج للمقومات الطبيعية والثقافية، ولفت الانتباه إلى إمكانات المسارات الطويلة في الجزائر كفضاء لممارسات سياحية جديدة.
وتزامناً مع هذه المبادرة، احتضنت أعالي جبال الشريعة فعاليات الاحتفال الرسمي باليوم العالمي للسياحة، المصادف لـ 27 سبتمبر، تحت شعار “الأجندة الرقمية والذكاء الاصطناعي لإعادة تصميم السياحة”.
حين تصبح المسافة رسالة سياحية
وقطعت المجموعة 225 كيلومترا وهي تحمل الراية الوطنية، لكن الرسالة التي حملتها الرحلة تبدو أبعد من ذلك بكثير. فالجزائر، بما تمتلكه من جبال ومسارات طبيعية ومواقع تاريخية وثقافية وتنوع جغرافي، تملك مقومات تسمح بتطوير سياحة المغامرات والمسارات الطويلة، وربط مختلف المناطق ضمن تجارب سياحية متكاملة.
ومن الشريعة إلى لالة خديجة، مروراً بالمدية والبويرة ومناطق أخرى، أثبتت هذه الجولة أن الطريق نفسه يمكن أن يتحول إلى وجهة، وأن المسافة يمكن أن تصبح وسيلة لاكتشاف الجزائر خارج القوالب السياحية المعتادة.
وفي زمن تتجه فيه السياحة نحو التجارب الأصيلة والمغامرات والأنشطة في الهواء الطلق، تفتح مثل هذه المبادرات الباب أمام تصور جديد للسائح: سائح لا يكتفي بزيارة الجزائر، بل يمشي في دروبها ويعبر مناطقها ويكتشف تنوعها خطوة بخطوة.






