يومية الشعب الجزائرية
الخميس, 8 أكتوبر 2026
  • الأولى
  • الحدث
    • الوطني
    • المحلي
    • الرياضي
    • المجتمع
    • مؤشرات
    • الثقافي
    • الدولي
  • الملفات الأسبوعية
    • الشعب الدبلوماسي
    • الشعب الإقتصادي
    • الشعب الرياضي
    • الشعب المحلي
    • الشعب الثقافي
    • ملفات خاصة
  • الإفتتاحية
  • أعمدة ومقالات
    • مساهمات
    • حوارات
    • إستطلاعات وتحقيقات
  • صفحات خاصة
    • إسلاميات
    • صحة
    • ندوات
    • تاريخ
    • القوة الناعمة
    • فوانيس
    • علوم وتكنولوجيا
    • صوت الأسير
  • النسخة الورقية
    • أعداد خاصة
  • أرشيف
لا توجد نتائج
عرض جميع النتائج
  • الأولى
  • الحدث
    • الوطني
    • المحلي
    • الرياضي
    • المجتمع
    • مؤشرات
    • الثقافي
    • الدولي
  • الملفات الأسبوعية
    • الشعب الدبلوماسي
    • الشعب الإقتصادي
    • الشعب الرياضي
    • الشعب المحلي
    • الشعب الثقافي
    • ملفات خاصة
  • الإفتتاحية
  • أعمدة ومقالات
    • مساهمات
    • حوارات
    • إستطلاعات وتحقيقات
  • صفحات خاصة
    • إسلاميات
    • صحة
    • ندوات
    • تاريخ
    • القوة الناعمة
    • فوانيس
    • علوم وتكنولوجيا
    • صوت الأسير
  • النسخة الورقية
    • أعداد خاصة
  • أرشيف
لا توجد نتائج
عرض جميع النتائج
يومية الشعب الجزائرية
لا توجد نتائج
عرض جميع النتائج
الرئيسية الحدث الثقافي

أصدرت “يوبا الثانـي.. عرائــس القيصريــــة” -عـــن دار الأمــــة..

ملهــاق تستعيــد عبقريــة “الرّوايـــة التّاريخيـــة”

@كتب: محمد كاديك
الأربعاء, 7 أكتوبر 2026
, الثقافي
0
ملهــاق تستعيــد عبقريــة “الرّوايـــة التّاريخيـــة”
مشاركة على فيسبوكمشاركة على تويتر

تصرّ “الرواية التاريخية” على البقاء في “حيّز” إشكالي بين دقّة يتطلبها “العلم”، وخيال يستدعيه “الفنّ”؛ ولهذا لا تسلم من مؤرخين يدّعون عليها بـ”تحريف الوقائع”، مثلما لا تسلم من نقاد الأدب إن هي لم تصطنع للخيال أجنحة، مع أنّ السّرد “الأدبي التاريخي”، لا يختلف في شيء – أجناسيا – عن “الرواية” عامة، إذا استثنيا رهانه على “حادثة تاريخية” أو “مجال زمني ماض”، ليكون المحور الأساسي للسّرد..

ولا علاقة لـ«السرد الشعري” (إلياذة، أوديسا، سيرة بني هلال.. إلخ)، بــ«الرواية التاريخية”، فالأول ينتمي إلى الحاضنة الشفاهية، ويراهن على الماضي المطلق ضمانا للاستقرار، أما الثاني فهو منتج الحاضنة الكتابية، ويعود إلى الماضي رغبة في بلورة صورة عن مستقبل أفضل، فالاختلاف بين النوعين راسخ في الشكل الحضاري، وفي طبيعة الاشتغال الذهني، وفي متطلبات الواقع التاريخي، وقد يكون واضحا أن الأديب الذي يتصدى لـ«الرواية التاريخية”، إنما يخوض غمار مهمة عالية الصعوبة والتعقيد؛ إذ يتعين عليه، انطلاقا من حقبة أو شخصية أو واقعة تاريخية، أن يعيد بناء سرد معقول ومحتمل، بالاستناد إلى المادة الخام التي أعدّها المؤرخ.
ولقد عرفت الأديبة الأريبة فضيلة ملهاق، كيف ترفع رهان “الرواية التاريخية” باقتدار، وتضيف إلى المكتبة الوطنية الجزائرية رائعة وسمتها بعنوان: “يوبا الثاني.. عرائس القيصرية”، فوضعت “التاريخ” في منطقة تتجاوز “ترتيب الوقائع” إلى مساءلة “الهويّة”، وإحياء “الذاكرة”، ومناقشة “السلطة”، وتثمين “الحرية”، ومنحت يوبا الثاني/غايوس، حياة سردية متعالية على حدود “الشخصية التاريخية” حين جعلته مركز تقاطع بين موريطنية وروما، الذاكرة المحلية والإمبراطورية، الأسْر والسلطة، الماضي والحاضر، فرسمت مشاهد روائية لا تختلف عن تلك التي أثارت إعجاب جورج لوكاش في أعمال والتر سكوت وتولستوي، ولقد نجحت – نجاحا مبهرا – في تحقيق شرط اللازمانية الضرورية (L’anachronisme nécessaire) ومنحت شخصيات الماضي لغة سلسة ووعيا ناضجا، جعل التعبير عن العلاقات والتناقضات التاريخية واضحا، يسهّل على القارئ استيعاب الوقائع، واستحضار الماضي باعتباره “ما قبل تاريخ الحاضر”، دون الوقوع في “التحديث النفسي الزائف”، كما وصفه لوكاش؛ ذلك أن رواية ملهاق لم تقدم التاريخ بوصفه حقيقة مكتملة تنتظر إعادة النّسخ، وإنما قدّمته بوصفه مادة تتعدد زوايا النظر إليها، فتداخلت “الحكاية” التاريخية مع الذاكرة، ودخلت “الكتابة” نفسها في صلب الأحداث التي تسلسلت وفق مقتضيات السّرد، حتى إن القارئ لا يحسّ بأدنى توجيه من الكاتبة، وهنا، التزمت ملهاق بأول شروط “الرواية التاريخية”، واستغلت مفهوم “البطل المتوسط” (Le héros moyen)، فلم تحصر صورة “يوبا الثاني” في قالب واحد، وإنما عدّدت الأصوات.. بروسيوس في روما.. آكلي في قبيلة تازيرت (موريطنية)، ولايتماس بـ(تينغيس)، ليتداولوا على السّرد ويمنحوه طبقات مختلفة من المعاني، ما سمح بتفكيك السّرديات الكبرى بأسلوب يتصاعد دائريا بين ضفتي المتوسط، وإن حرص على “إقناع” المتلقي بأنه يساير تاريخا خطيّا يبدأ من ماي عام 29 قبل الميلاد، إلى سبتمبر عام 21 قبل الميلاد، فالرواية لم تجعل من التسلسل التاريخي غايتها الأساسية، ذلك أن الأحداث الكبرى، مثل الحروب والتحالفات والزيجات السياسية وتوسع النفوذ الروماني، لا تظهر مستقلة عن آثارها في الشخصيات الفاعلة بالمتن السّردي.
معالـــــــــم..
يتدرج يوبا من الأسْر إلى التربية في روما، ثم إلى الجيش، فإلى الحكم، وهو مسار يضعه في تماس دائم مع الهيمنة الرومانية، غير أن الرواية لا تجعل هذا التّدرج مجرد صعود سياسي، وإنما تتابع أثره في وعي يوبا بذاته ومكانه وماضيه، وتكشف واحدة من اللحظات المبكرة هذا الالتباس حين يعترض يوبا على الاسم الروماني الذي ألصق به عنوة (ص 12)، ويصبح الاسم نفسه علامة على الصراع حول الهوية؛ فالمواطنة الرومانية التي منحها له أوكتافيان، لا تمحو ذاكرته الأولى، كما أن اندماجه في الثقافة الرومانية لا يلغي جذوره وأصالته.
وتتخذ علاقة يوبا بأغسطس/أوكتافيان، موقعا مركزيا في بناء الرواية، فهي تجمع الحماية والاحتواء، والمنفعة السياسية والاستقلال النسبي، وتضع الملك يوبا في وضع شديد الحساسية: يمتلك العرش، لكنه يتحرك داخل نظام مهيمن على العالم، وتقدم الرواية هذه العلاقة بوضوح حين تكشف أن وضع يوبا لدى السلطة الرومانية كان استثنائيا؛ فهو مواطن روماني، صاحب مكانة رفيعة، ويقود فيلقا، ويمثل روما في بعض المهمات، ومع ذلك، يظل موقعه السياسي محاطا بالغموض، وهذا ما يجعل العرش نفسه فضاء للتفاوض.. يوبا لا يحكم بوصفه تابعا بسيطا، ولا يمتلك استقلالا مطلقا.. إنه يحاول توسيع هامش حركته داخل شبكة من المصالح الرومانية، وهو ما تصاعد على مدار السّرد بأشكال مختلفة، إلى أن لخّصه “بورسيوس” في قوله: “ملك بربري يحمل عرشه على كتفيه، وإمبراطور روماني يطالبه بأن يكتفي بالجلوس عليه” (ص 412)، وقد يكون واضحا أن العبارة تتجاوز وظيفتها الوصفية، لتكشف جوهر علاقة يوبا الثاني بأغسطس: السلطة موجودة، غير أن شروط ممارستها مرسومة مسبقا.
هندسة النفوذ الإمبراطوري
مع تصاعد السّرد، يكتشف القارئ أن السيطرة الرومانية لا تعتمد على القوة العسكرية وحدها، فالخريطة والمستعمرات والتعليم والثقافة، والزواج والعمارة والتحالفات السياسية، كلها تدخل في بناء النفوذ، ولعل الفكرة تبلغ الذروة حين يعرض أغسطس أمام مجلس الشيوخ خريطة موريطنية، ويحدد عليها مواقع المستعمرات الرومانية، فتتحول الخريطة من أداة معرفية إلى أداة سياسية؛ ذلك أن الخطوط التي يرسمها الحاكم على الورق تمثل إعادة تنظيم العالم، ويتّضح أن وظيفة المستعمرات تقتضي تحييد القبائل وإرباك أي تحالف محتمل ضد روما، بينما يكشف أغسطس عن طموح أكبر حين يتحدث عن تحويل ضفة المتوسط الجنوبية إلى امتداد روماني.(ص 212 إلى 218).
ولا ترسم الرواية أغسطس في صورة الإمبراطور المستبد البسيط، وإنما تمنحه ذكاء سياسيا وقدرة عالية على قراءة البشر واستثمار رغباتهم، فهو يعرف أن الجيوش وحدها لا تكفي، وأن التحالفات تحتاج إلى صناعة الولاء، وأن الشخصيات السياسية يمكن استيعابها من خلال منحها المكانة أو الثروة أو الزواج أو الحماية، ومن ذلك أنه يتحدث عن الأراضي التي ستمنح للجنود العائدين من مصر، إذ يقدّر أن مصلحة روما مقدمة على مصالح الفلاحين (ص 30).
لهذا، تبدو سياسة أغسطس في الرواية قائمة على إدارة الأشخاص بقدر اعتمادها على إدارة الجيوش.. إنه يستوعب خصومه، ويعيد توزيع الأدوار، ويستخدم الثقافة والزواج والمكانة، ويترك لكل شخصية هامشا من الوهم بأنها تتحرك بإرادتها الخاصة.
وتكتسب علاقة يوبا بكليوباترا سيليني أهمية مزدوجة؛ فالزواج يحمل بعدا سياسيا واضحا حدده أغسطس، لكنه يتطور داخل الرواية إلى علاقة إنسانية ذات تعقيد خاص، وتكشف شخصيات موريطنية مبكرا أن الزواج قد يكون جزءا من خطة رومانية لتثبيت الهيمنة، وتعتبره “حبلا يلتف حول عنق يوبا”، لكن الرواية لا تختزل كليوباترا سيليني في وظيفة سياسية.. إنها شخصية تمتلك ثقافتها ووعيها وأسئلتها الخاصة، وفي لحظة صفاء تقول: «كبرت، وكبرت وحدتي، فلا أهل، ولا وطن.. ولا فرح» (ص 257)، وهنا يلتقي مصيرها بمصير يوبا، إذ يحمل كل واحد منهما إرثا ملكيا فارها، ويعيشان معا مأساة الاقتلاع السياسي، وكلاهما يجد نفسه (مرغما) داخل نظام أكبر من إرادته.. غير أن هذه الظروف القاسية لم تجتمع إلا لتسمح لـ«الحب” – في الرواية – بالتشكل في مساحة مستقلة عن فروض السياسة.
هندسة السرد التاريخي..
لعلنا أشرنا فيما سبق إلى أننا نصنّف رواية “يوبا الثاني” في “الرواية التاريخية الجديدة”، فقد اعتمدت أسلوبا دائريا متصاعدا مكّنها من التّحكم في “اتساع المكان والزّمان”، ووزّعت السّرد على ثلاثة أصوات رئيسية: بورسيوس، آكلي ولايتماس، ولم يأت تعدد الأصوات بوصفه تقنية شكلية لتغيير نبرة السرد أو تجديد المشاهد؛ لأن التعدد – كما لمسناه – أدى وظيفة أساسية في بناء المعنى؛ فكل راو يدخل عالم “يوبا” من موقع اجتماعي وإنساني مختلف، ويتصرف معه وفق ذاكرة خاصة وعلاقة متميزة، وهو ما انتهى إلى تشكيل شخصية “يوبا الثاني” من وجهات مختلفة، فتعددت صورها دون أن تتفكّك وحدتها.
يظهر بورسيوس منذ الفصل الأول.. “ظلال الحرب”، ويحظى بأوسع مساحة سردية، وتبدأ علاقته بالحكاية من موقع شديد التواضع اجتماعيا: فهو عبد، وموقعه داخل النظام الروماني يجعله شاهدا – من أسفل الهرم الاجتماعي – على عالم تصنعه الجيوش والأباطرة.
يتأثر بورسيوس بموقف يوبا من الحرب، ويحسّ بثقل كلماته وهو يعبّر عن حزنه لدمار مكتبة الإسكندرية.. “الحرب هزيمة كبيرة حتى حين ننتصر، لأن ظلالها الكئيبة تبقى تلازمنا في أي خطوة نخطوها بعدها” يقول يوبا، ويواصل: “الانتصار في الحرب ليس إلا خسارة مؤجلة، ندفع ثمنها لاحقا” (ص 21)..
تتعمق علاقة بورسيوس بعالم يوبا عبر المكتبة بما هي الفضاء الذي تتقاطع فيه السلطة والثقافة والهوية، ويكتشف الراوي أن المعرفة تغير علاقة العبيد بعضهم ببعض، وأن الكتب تنقلهم من علاقات السيد والعبد إلى علاقات تقوم على امتلاك المعرفة وتبادلها، فقد قدّر في البداية أنه لا يمكن أن يتساوى في المكانة مع “آكلي” و«لايتماس” بسبب ثقافته الرومانية “المتطوّرة”، ثم اكتشف أن آكلي يستصغره.. “كان يراني غريبا عن الأرض التي يعيش فيها، أحمل أفكار المحتل” (ص 349)، والحال نفسها مع لايتماس القادمة من تينغيس بعناية من يوبا الثاني.. “كثيرا ما كانت تنسى أنها مجرد جارية، وتنظر إلينا من موقعها القديم، كحرة” (ص394).. هي ملاحظة مهمة لبورسيوس؛ لأنها تمنع القراءة السطحية للعلاقات بين الشخصيات؛ ما يعني أن موقع آكلي ولايتماس في العبودية لا يدلّ أبدا أنه يقاسمهما الوعي نفسه أو الذاكرة نفسها.. بورسيوس مرتبط بعالم روما من موقع العبد الروماني، ولذلك يبدو للآخرين حاملا لجزء من ثقافة كولونيالية، أما آكلي فيعيش علاقة لصيقة بأرض الأجداد، بينما عاشت لايتماس مأساة الظلم الروماني مع جندي سلب أرض والدها، واضطرّه للاستدانة منه، وعندما ضاق عليه رزقه وعجز عن الوفاء بالدين، استعبدها عنوة بدل المال، ولم يكتف بذلك، إنما قطع أذني والدها (ص 268) لهذا، تمنت أن تنتصر جماعة المقاوم “يوغرتن” على الحاكم الروماني ووحوشه (ص 269).

يمكن النظر إلى الرواة باعتبارهم ثلاث درجات في الاقتراب من يوبا.. بورسيوس يقترب منه عبر التاريخ.. إنه شاهده في ساحات القتال، تابع تحوله، رآه في روما، ثم رافق مساره إلى أن توّج بملك إيول/القيصرية، وعلى هذا، فإن يوبا – بالنسبة لبورسيوس – شخصية تتحرك داخل الزمن السياسي.
ويقترب آكلي من يوبا عبر الأرض والهوية والعلاقة الاجتماعية، وهذا يجعله أكثر حساسية تجاه علاقة الملك بالمكان وأهله، وتكشف علاقته ببورسيوس أن صورة يوبا تتشكل من خلال الصراع بين السردية الكولونيالية والسردية المحلية.
أما لايتماس، فتقترب من يوبا عبر المعرفة والثقافة، فهي تكتشف يوبا من خلال كتبه وأشعاره وأبحاثه، وتلمس رقيّه الإنساني، وعلى هذا تراه بوصفه مثقفا، وتمنحه بعدا فكريا يتجاوز صورة الحاكم.
الذاكرة الثقافية.. حضور فاخر
أثثت فضيلة ملهاق رواية “يوبا الثاني” بإحكام لم نتعوّد عليه في الرواية التاريخية الجزائرية والعربية، فقد عرفت كيف تستغل الرمزيات التراثية، وجعلتها تتماهى مع الوقائع السّردية، فلم تظهر باعتبارها خلفية زمنية تزين السرد، وإنما منحتها سيولة رائقة في صميم تكوين الشخصيات، وتنظيم العلاقات، وتحديد الانتماءات، وصياغة الصراع بين الجماعة المحلية والسلطة الكولونيالية، ومن هذه الزاوية، تتحول العادات والتقاليد والطقوس واللغة والملابس وأشكال التضامن ومجالس الجماعة إلى مواد سردية تؤدي وظيفة معرفية ودلالية؛ لأنها تجعل التاريخ قابلا للإدراك من خلال الواقع السردي المعيش.
ويمكن مقاربة حضور الرمز التراثي في رواية “يوبا الثاني” من خلال مفهوم الذاكرة الاجتماعية الذي يربط تذكر الماضي بالانتماء إلى جماعة تمتلك طقوسها وطرائقها الخاصة في تنظيم الحياة، فالذاكرة هنا لا تستعاد في قوالب معلّبة عن الماضي، وإنما تتجسد في ممارسات جماعية تنتقل من جيل إلى آخر، وتمنح الجماعة إحساسا باستمراريتها.
وتتضح هذه الوظيفة بصورة مباشرة في حديث الشخصيات عن “التويزة”، حيث تتحول من ممارسة تعاونية إلى علامة على هوية الجماعة.. تقول تاماريس لسيفاو: “هذه الأشياء الّتي تراها صغيرة: حُليّنا، حِنّاؤنا، قُدورنا، برانسُنا، زرابينا، أغانينا، نقوشنا، زينة نسائنا، أعرافنا.. حتى هذه التويزة، هي جزء من حُرّيتنا، من وجودنا؛ لأنّها تمَيّزنا كشعب حر، تحفظنا من التّلاشي أو الذّوبان في مجتمعات أخرى” (ص 129) وهذا تصور للموروث يتجاوز وظيفته العملية؛ فـ«التويزة” تصبح وسيلة لترسيخ التضامن، وحفظ الذاكرة، وتأكيد الانتماء إلى المجال المحلي.
ومن هنا يمكن فهم اختيار الرواية لفصل مستقل بعنوان “نداء التويزة” (ص 112)، ففي هذا الفصل تلتئم الجماعة لإنهاء الأعمال الزراعية، والاستعداد لفصل الشتاء، ويشارك أبناء القبيلة في العمل وإعداد العشاء الجماعي بعد انتهاء الموسم.. تتحول الممارسة الزراعية إلى مناسبة اجتماعية تعيد إنتاج روابط الجماعة، والتاريخ – وفق هذا المنظور – لا يصنعه الملوك وحدهم، وإنما تصنعه الجماعات التي تنظم حياتها وفق إيقاع العمل والموسم والقرابة والتضامن.
وينسجم هذا التصور مع ما يمنحه جورج لوكاتش للرواية التاريخية من أهمية في الكشف عن الحياة الاجتماعية الكامنة وراء الأحداث الكبرى، فالرواية هنا، لا تستمد قيمتها من إعادة سرد الوقائع المعروفة، وإنما من قدرتها على جعل التحولات التاريخية محسوسة في حياة الأفراد والجماعات، ما يعني أن استحضار العادات يمثّل وسيلة لإعادة بناء “روح العصر” من الداخل، ولقد استثمرت ملهاق بعبقرية في هذا الجانب، ولم تمنعها جدران القصور والقلاع، عن الاندماج – بسلاسة ممتازة – في تفاصيل الحياة اليومية، ونقلت طرق إعداد الطعام، العمل الجماعي، مجالس القبيلة، الملابس، حفلات الزواج، طقوس الموت، اللغة، أسماء الأماكن، وأنماط استقبال الملوك. وقدمت – بأسلوب أدبي بديع – صورا مذهلة عن البنية الاجتماعية التي تتحرك داخلها الشخصيات، دون أن تضطر إلى أسلوب تقريري/تعليمي كما عوّدتنا كثير من الأعمال الروائية السابقة.
وتظهر “تاجماعت” – في السياق ذاته – باعتبارها مؤسسة عرفية تضبط العلاقات داخل الجماعة، فعندما يعلن “أمغار” خطبة سيفار لـ«إغوذان” أمام المجلس، يكتسب كلامه قوة إلزامية، فالكلام في تاجماعت عهد لا يمكن نكثه (ص 180)، بحكم أن المجلس الجماعي آلية من آليات تنظيم المجتمع، ويجعل العرف قوة اجتماعية قائمة توازي السلطة المهيمنة.
الطقوس.. نظام هوّياتي..
تولي رواية “يوبا الثاني” طقوس الزواج بعناية واضحة، فهي تكشف اختلاف النظم الثقافية بالعالم المتوسطي الذي تتحرك فيه الشخصيات، وتقدم – في أحد المشاهد – مراسم الزواج الروماني من خلال الثوب الأبيض، تصفيف الشعر، إكليل المردقوش، القرابين، النبيذ والخبز، ودعاء “جوبيتر” و«جونو”، ثم تقاسم العروسين الخبز باعتباره رمزا للاتحاد المقدس. (ص. 404).
في المقابل، تبدو كليوباترا سيليني، وهي القادمة من فضاء ثقافي مختلف، غريبة عن هذه الطقوس، فتقول ليوبا: “كل شيء من حولي بدا غريبا عني؛ طقوس الزواج، المكان، الوجوه.. كأنني كنت أقف خارج نفسي، أُراقب حياة لا تُشبهني، وحين سال دم القرابين فوق المذبح، عاد إليّ الماضي بتفاصيله الجارحة: الطّريق الّذي ساقني إلى هُنا.. النّيران..الصّرخات.. الدّماء المُتفجرة من الأعناق.. وخيّل إليّ أن عائلتي تُذبح أمام عينيّ، واحدا تلو الآخر.. ورأيت نفسي قربانا يُقدَم إلى البانثيون” (ص 408)، ولكن، حين يصل يوبا وكليوباترا إلى المجال النوميدي، تصبح مسألة استعادة الطقوس المحلية جزءا من استعادة الانتماء؛ لذلك حرصت ملهاق على إظهار العادات المحلية ورموزها في استقبال الملك وزوجته، فقد أوصى أمغار أن يكون الاحتفال مناسبة لإظهار “رموزنا وعاداتنا” (ص 398)، وهو ما يؤكد أن “العادة” تتخذ وظيفة هوياتية واضحة.. إنها وسيلة لإعادة تثبيت الذات الجماعية أمام السلطة الكولونيالية المهيمنة.
علامات الانتماء..
تعددت علامات الانتماء إلى الفضاء الموريطيني-النوميدي، ولعلنا نقدم صورة مجملة من خلال “الملابس” بما هي علامات مرئية دالة على الاختلاف الثقافي، فعندما تصف ملهاق النوميديين، تتوقف عند البرنوس الذي يرتديه النبلاء، وتصف هيئاتهم ولحاهم وزينتهم وأسلوب عنايتهم بمظهرهم (ص 45)، وبذلك يصبح الجسد حاملا للذاكرة، فاللباس والزينة وطريقة تصفيف الشعر ليست عناصر جمالية مستقلة، وإنما علامات تنتمي إلى نظام اجتماعي كامل، وتستفيد الرواية من هذه العلامات لتكوين صورة محسوسة عن المجتمع النوميدي، بعيدا عن الصورة المجردة التي قد ينتجها السرد السياسي الخالص.
ولا تختلف الحال مع التعدد اللغوي، ذلك أن موريطنية فضاء متعدد اللغات والثقافات، والسكان المحليون يحتفظون بلغتهم ولهجاتهم إلى جانب الفينقية والبونيقية واللاتينية واليونانية، ولكنهم لا يقبلون تدخل السلطة الرومانية في تسمية المدن، بحكم أن تغيير الاسم لا يعتبر إجراء إداريا، بقدر ما هو فعل رمزي يعيد تعريف المكان ضمن منظومة السلطة المهيمنة، وهو ما عبرت عنه لايتماس حين قالت: “لم أستطع أن أُطلق عليها (اسم) “القيصرية” كما يفعل الآخرون؛ كان الاسم عندي أشبه باغتصاب لذاكرة المدينة العريقة.. وحين لامست قدماي ترابها، تردَّدت حتى في مناداتها ايول. شعرت أنها أوسع من أن تختزل في اسم أو تحشر في حِقبة، بونيقيَة، فيما أنّ تاريخها ضارب في القدم”(ص 344)؛ فالاسم “قيصرية” يربط المجال المحلي بالسلطة الإمبراطورية الكولونيالية، ويعيد صياغة ذاكرته العامة.
ختاما..
..ولا نملك سوى الاعتراف بأن راوية “يوبا الثاني” أقنعتنا بمواصلة القراءة إلى آخر صفحة، (وهو أمر بالغ الصعوبة على كثير من الأعمال الروائية في عصر “السكرولينغ”)، ونعتقد أنها توصلت إلى ذلك من خلال صناعة تشويق مركب لا يقوم على “المفاجأة” وحدها، وإنما يتأسس على “تفاعل” ستة مستويات في وقت واحد: التاريخ + السلطة (كولونيالية ومحلية) + الشخصية + العاطفة + تعدد الأصوات + الكتابة؛ فالقارئ يبدأ البحث عن يوبا، ثم يكتشف أنه أمام سؤال أكبر يفكّك معنى الحرية، ويتوغل إلى عمق الهوية، ويبذل ما وسعه لإحياء الذاكرة، دون أن يهمل دينامية السلطة.. يبدأ القارئ بمتابعة شخصية تاريخية، ولا يلبث أن يتورط في مصائر شخصيات متخيلة.. يبدأ بقراءة أحداث ماضية، ثم يجد نفسه في خضم الرواية وهي تسأله ضمنيا عن حاضر الإنسان وعلاقته بالتاريخ، والأهم، أن الرواية لا تجعل معرفة النهاية التاريخية قاتلة للتشويق، وإنما تمنح “التأويل” آفاقا مشرعة من ذروة “جبل السعادة”..
لهذا – في اعتقادنا – تستمر الرواية في جذب القارئ إلى آخر صفحة: فهي لا تعده بإجابة واحدة، وإنما تجعل كل إجابة فاتحة لسؤال سردي وفكري جديد، وعندما يصل إلى الصفحة الأخيرة، يكتشف أن الحكاية التي تابعها طوال مئات الصفحات، أحيت في دواخله إنسانا يستعيد بالكتابة عالما صادره منه الواقع..

المقال السابق

مسـار التطويــر والريادة لقطاع الطاقة متواصل إقليميــــا ودوليــا

المقال التالي

قوافـــل طبيـة تعـزّز الكشـــف المبكــــّر عـــن السّرطــان

الشعب

الشعب

ذات صلة مقالات

مهرجـان الإبــداع النّسوي ينطلق اليوم
الثقافي

يجمـع 80 حرفيـــة ومبدعــــة بالمتحــــف الإفريقـــي “فيـــلا بولكــين”

مهرجـان الإبــداع النّسوي ينطلق اليوم

7 أكتوبر 2026
”فيبـدا”.. جسر ثقافـــي فنـي  بــين الجزائـر واليابـــان
الثقافي

اختتم بتكريم مبدعي المانغا والكوسبلاي.. السّفــير كوتــــارو:

”فيبـدا”.. جسر ثقافـــي فنـي بــين الجزائـر واليابـــان

7 أكتوبر 2026
الثقافي

كشف هويّته البصرية وأطلق إقامة لطلبة الفنون

مهرجان الفن الصّخري بجانت.. 19 أكتوبر الجاري

7 أكتوبر 2026
الثقافي

نقلة نوعية في تقنيات ترميم التّراث البصري

”سينماتيك الجزائر”تستعيد “ياسمينة” لذاكرة الأمجاد

7 أكتوبر 2026
الثقافي

ينظّم دورة في تقنيات البناء بدءا من 18 أكتوبر

مركز التّراث المبني بالطين يؤهّل المبدعين

7 أكتوبر 2026
الثقافي

يعرض أكثر من 150 لوحة بمتحـــف “مامــو”

بلعوادي يقترح رحلة ممتعة إلى “أضواء وهران”

7 أكتوبر 2026
المقال التالي
قوافـــل طبيـة  تعـزّز الكشـــف المبكــــّر عـــن السّرطــان

قوافـــل طبيـة تعـزّز الكشـــف المبكــــّر عـــن السّرطــان

اترك تعليقاً إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  • الأولى
  • الحدث
  • الملفات الأسبوعية
  • الإفتتاحية
  • أعمدة ومقالات
  • صفحات خاصة
  • النسخة الورقية
  • أرشيف
023.46.91.87

جريدة الشعب 2025

لا توجد نتائج
عرض جميع النتائج
  • الأولى
  • الحدث
    • الوطني
    • المحلي
    • الرياضي
    • المجتمع
    • مؤشرات
    • الثقافي
    • الدولي
  • الملفات الأسبوعية
    • الشعب الدبلوماسي
    • الشعب الإقتصادي
    • الشعب الرياضي
    • الشعب المحلي
    • الشعب الثقافي
    • ملفات خاصة
  • الإفتتاحية
  • أعمدة ومقالات
    • مساهمات
    • حوارات
    • إستطلاعات وتحقيقات
  • صفحات خاصة
    • إسلاميات
    • صحة
    • ندوات
    • تاريخ
    • القوة الناعمة
    • فوانيس
    • علوم وتكنولوجيا
    • صوت الأسير
  • النسخة الورقية
    • أعداد خاصة
  • أرشيف
موقع الشعب يستخدم نظام الكوكيز. استمرارك في استخدام هذا الموقع ، فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط. تفضل بزيارة سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط