يحفظ الفيلم السينمائي تفاصيل من زمن مضى ويوثق وجوها وأماكن وأحداثا وتحولات اجتماعية وثقافية، بعضها قد لا نجد له أثرا في مصادر أخرى، ومن هذا المنطلق، لا يمثل الأرشيف السينمائي مجرد مجموعة من الأفلام والوثائق المصورة، بل يشكّل جزءا من الذاكرة البصرية الوطنية، بما يحمله من صور وشهادات تعكس مراحل مختلفة من تاريخ الجزائر ومسيرتها الثقافية والفنية.
تفرض طبيعة المواد السينمائية القديمة تحديات كبيرة على عمليات الحفظ والصيانة، إذ تتأثّر الأشرطة بمرور الزمن وبظروف التخزين، وقد تفقد تدريجيا جزءا من جودتها، سواء تعلق الأمر بالصورة أو الصوت أو الألوان، كما أنّ تقادم أجهزة العرض والوسائط التي سجلت عليها الأفلام يجعل الوصول إلى بعض المواد واستغلالها أكثر صعوبة، لذلك أصبحت حماية الأرشيف السينمائي مرتبطة بعمليات الترميم والرقمنة، إلى جانب البحث عن وسائل تضمن بقاء هذه الأعمال قابلة للحفظ والعرض والدراسة.
إمكانات جديدة للتّرميم والحفظ
في السّنوات الأخيرة، فتح التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي إمكانات جديدة أمام مؤسسات الأرشيف والسينما، بعدما أصبحت تقنيات المعالجة الرقمية قادرة على تحليل الصور والأصوات والتعرف على العناصر الموجودة داخلها، فضلا عن معالجة بعض مظاهر التلف وتحسين جودة المواد القديمة، ويمكن لهذه التقنيات أن تساعد في استعادة أجزاء من الأفلام التي تعرضت للخدوش أو التشويش أو فقدان بعض التفاصيل، إلى جانب تحسين وضوح الصوت والصورة، ومعالجة بعض الاختلالات التي نتجت عن تقادم النسخ الأصلية.
إلا أن التعامل مع الفيلم التاريخي لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد مادة رقمية تحتاج إلى تحسين تقني، فكل تعديل يطال الصورة أو الصوت يمكن أن يطرح سؤالا حول الحدود الفاصلة بين الترميم والمحافظة على الأصل من جهة، وإعادة إنتاج المادة وفق معايير حديثة من جهة أخرى.
وفي العمل السينمائي، قد تكون الخدوش أو اختلافات الألوان أو طبيعة الصوت جزءا من الحالة الأصلية التي وصل بها الفيلم إلى الحاضر، ولذلك، فإن إزالة كل أثر للتقادم بصورة آلية قد تقود في بعض الحالات، إلى نتيجة مختلفة عن المادة التي أراد صانعوها توثيقها أو تقديمها في وقتها.
وتزداد أهمية هذا النقاش عندما يتعلق الأمر بالأفلام التي تحمل قيمة تاريخية أو توثّق أحداثا وشخصيات ووقائع مرتبطة بتاريخ الجزائر، فالمادة السينمائية لا تؤدي هنا وظيفة فنية فقط، وإنما تصبح وثيقة يمكن أن يعتمد عليها الباحث في دراسة مرحلة معينة أو قراءة تفاصيل الحياة الاجتماعية والثقافية، ومن ثم، فإن أي تدخل في محتواها أو في عناصرها الأصلية يقتضي ضوابط واضحة تميز بين ما هو ترميم وما هو تحسين، وبين استعادة ما فقد من المادة الأصلية وبين إضافة عناصر لم تكن موجودة فيها.
أرشيف سينمائي أكثر انفتاحا
ولا تقتصر إمكانات الذكاء الاصطناعي على ترميم الأفلام، إذ يمكن أن تمتد إلى طريقة حفظ الأرشيف وتنظيمه وإتاحته، فالرّقمنة تتيح نقل المواد السينمائية من وسائطها القديمة إلى صيغ رقمية أكثر ملاءمة للحفظ والاستغلال، فيما يمكن لتقنيات الذكاء الاصطناعي أن تساعد في تصنيف الكم الكبير من المواد وتحديد أسماء الأشخاص والأماكن والمواضيع الظاهرة أو المذكورة فيها، وتحويل المحتوى الصوتي إلى نصوص قابلة للبحث، وهذا من شأنه أن يسهل الوصول إلى الأرشيف أمام الباحثين والدارسين والمهتمين بتاريخ السينما والثقافة الجزائرية.
ويطرح هذا التحول مسألة أخرى تتعلق بكيفية بناء منصات رقمية قادرة على تقديم الأرشيف للجمهور بطريقة منظمة، مع احترام حقوق الملكية الفكرية والحقوق المرتبطة بالأعمال وأصحابها، فإتاحة الأرشيف الفني لا تعني نشر الأفلام على شبكة إنترنت، وإنما تتطلب وضع بيانات دقيقة حول كل مادة، وتحديد مصدرها وتاريخ إنتاجها وصناعها وظروف حفظها، بما يسمح بالتعامل معها باعتبارها وثائق ذات قيمة تاريخية وفنية.
وترتبط أهمية هذه المسألة بحجم الرصيد السينمائي الذي تراكم منذ مرحلة ما بعد الاستقلال، وما سبقه من مواد مرتبطة بتاريخ الصورة والسينما في بلادنا، فهذا الأرشيف يمثل جزءا من مسار السينما الجزائرية، بما عرف من تجارب وأسماء وأعمال ارتبط بعضها بمحطات مهمة من تاريخ المجتمع، وحمايته لا تتوقف عند إنقاذ الأفلام من التلف، وإنما ضمان بقائها قابلة للقراءة والدراسة والاستفادة من محتوياتها للأجيال الحالية والقادمة. من هنا، يفرض حضور الذكاء الاصطناعي في مجال الأرشيف سؤالا أساسيا حول كيفية الاستفادة من هذه التقنيات من دون تحويلها إلى بديل عن الخبرة الأرشيفية والسينمائية، فالتقنية يمكن أن توفر أدوات دقيقة وسريعة، لكنها تحتاج إلى معرفة بالسياق التاريخي والفني للعمل، وإلى تدخل المختصين الذين يحددون ما ينبغي استعادته وما يجب تركه كما هو، وما يمكن تحسينه تقنيا من دون التأثير في طبيعة المادة الأصلية.
وبين إمكانات التكنولوجيا وضرورة الحفاظ على أصالة الوثيقة يفتح الذكاء الاصطناعي نقاشا واسعا حول مستقبل الأرشيف السينمائي الجزائري، ليس فقط من زاوية الترميم، وإنما أيضا من حيث الحفظ والرقمنة والتصنيف والإتاحة، فالمسألة في النهاية تتعلق بكيفية استخدام أدوات جديدة لحماية مادة قديمة، مع الحفاظ على قيمتها التاريخية والفنية، وضمان انتقالها إلى الأجيال المقبلة بوصفها شاهدا على مرحلة من تاريخ الجزائر وذاكرتها البصرية.







