في الثاني عشر من أكتوبر سنة 1975، خطّ الشعب الصحراوي ملحمة الوحدة الوطنية، كإنجاز تاريخي عظيم لمواجهة مؤامرات القوى الاستعمارية، ورفع راية الكفاح والمقاومة بكل الوسائل المشروعة في سبيل تقرير المصير وتحقيق الحرية.
يحيي الشعب الصحراوي، اليوم، الذكرى الـ51 للوحدة الوطنية وكله عزم على مواصلة الكفاح من أجل تقرير المصير، ومواجهة محاولات الاحتلال المغربي وحلفائه ترسيخ استعمار الصحراء الغربية عبر ما يسمى مخطط «الحكم الذاتي».
وتحلّ الذكرى في ظل انتصارات كبيرة حقّقتها القضية الصحراوية التي شهدت خلال الأشهر الأخيرة زخما كبيرا أعادها إلى واجهة المشهد العالمي، وعزّز مكانتها كقضية معنية بتصفية الاستعمار وتقرير المصير الذي أوصت به القرارات الأممية والذي كان الاحتلال نفسه قد قبل به قبل أن ينقلب عليه ويطرح بدله خطّة حلّ مفصّل على مقاسه يرسّخ احتلاله للصحراء الغربية ويمنع شعبها من حقه في تقرير المصير.
لكن رغم ما يروّجه الاحتلال المغربي من مزاعم حصر الحلّ في خيار « الحكم الذاتي» فإن الواقع على مستوى الأمم المتحدة مازال يضع القضية الصحراوية تحت إطار اللجنة الرابعة، أي اعتبارها كقضية تصفية استعمار، إضافة إلى التمسّك بمبدأ تقرير المصير وبعدم فرض أيّ حل خارج إرادة الشعب الصحراوي، وهو تاما ما ذهب إليه المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء الغربية، ستافان دي ميستورا، الخميس الماضي، عندما شدّد أمام مجلس الأمن الدولي على أن القضية الصحراوية تظل قضية تصفية استعمار وحق شعب في تقرير مصيره.
لا حلّ دون تقرير المصير
وقد أقر دي ميستورا، بوصول المفاوضات الرامية إلى تسوية تصفية الاستعمار إلى طريق مسدود، في اعتراف يعكس عمق الخلافات السياسية التي لا تزال تحول دون التوصل إلى حل عادل ودائم لقضية الصحراء الغربية، التي تظل قضية تصفية استعمار وحق شعب في تقرير مصيره.وفي إحاطته أمام مجلس الأمن الدولي، يوم الخميس، أوضح دي ميستورا أن الجولات التفاوضية الثلاثة التي عقدت خلال الأشهر الأولى من العام في واشنطن ومدريد، رغم ما وصفه بالتقدم المحرز فيها، لم تنجح في تجاوز الخلافات الجوهرية بين الأطراف. وقال إن «المفاوضات اصطدمت بجدار يصعب تجاوزه من دون تحرك من مجلس الأمن».
وتكتسب هذه الخلاصة أهمية خاصة، لأنها تؤكد أن «المساعي الدبلوماسية لم تفض إلى اتفاق»، وأن «مستقبل الصحراء الغربية لا يزال رهين معالجة جوهر النزاع، وفي مقدمته حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره بحرية، بعيدا عن أي حلول مفروضة سلفا».
كما أن إقرار المبعوث الأممي باستمرار الخلافات يؤكد أن مستقبل الإقليم لا يمكن حسمه بمجرد تقديم وثيقة أو حشد التأييد الدبلوماسي لصيغة سياسية بعينها.
ومن أبرز ما ورد في الإحاطة، تأكيد دي ميستورا أن «الحكم الذاتي»، أيا كانت الصيغة المقترحة له، «لا يمكن أبدا فرضه ببساطة على شعب الصحراء الغربية».
ويضع هذا الموقف مسألة الإرادة للشعب الصحراوي في صلب أي تسوية محتملة، بدلا من التعامل مع المقترح المغربي باعتباره نتيجة محسومة ينبغي على جبهة البوليساريو قبولها مسبقا.
الكلمة الفصل للصحراويين
فجبهة البوليساريو، بوصفها الممثل الشرعي للشعب الصحراوي في مسار التسوية الأممي، تتمسك بحق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره. ومن ثم، فإن أي انخراط في نقاش المقترحات المطروحة ينبغي ألا يفسر على أنه تنازل مسبق عن هذا الحق أو قبول بسيادة المغرب المزعومة على الإقليم.كما أن دعوة المبعوث الأممي إلى المرونة لا تقتصر، وفق ما ورد في الإحاطة، على جبهة البوليساريو، بل تشمل المغرب أيضا. وهو ما يؤكد أن المسؤولية عن تجاوز حالة الجمود لا تقع على طرف واحد.
وتعكس إحاطة دي ميستورا استمرار الخلاف بشأن طبيعة الحل السياسي للصحراء الغربية، لكنها لا تعلن التوصل إلى اتفاق، ولا تجعل المقترح المغربي تسوية نهائية معتمدة.
والنقطة الأهم في الإحاطة هي أن أي صيغة للحكم الذاتي لا يمكن فرضها على الشعب الصحراوي، وأن الوصول إلى اتفاق يتطلب مفاوضات إضافية وضمانات دولية وممارسة فعلية لحق تقرير المصير.
ترجمة التضامن إلى فعل ملموس
في السياق، دعا وزير الخارجية الصحراوي، السيد محمد يسلم بيسط، القوى التقدمية إلى تعزيز العمل السياسي دفاعاً عن حق الشعوب في تقرير مصيرها والقضاء على الاستعمار، وذلك خلال اختتام أشغال الندوة الدولية الثلاثين «الأحزاب ومجتمع جديد»، التي نظمها حزب العمل المكسيكي.
وفي كلمته، أعرب الوزير الصحراوي عن شكره لرئيس حزب العمل المكسيكي، الأستاذ ألبرتو أنايا غوتييريز، وللقوى السياسية المكسيكية والدولية المشاركة، مؤكداً ضرورة ترجمة التضامن إلى مبادرات برلمانية ومواقف سياسية وخطوات عملية ملموسة.
وأدان الانتهاكات التي تطال حقوق الإنسان في الأراضي المحتلة من الصحراء الغربية، وسلط الضوء على وضعية المعتقلين السياسيين الصحراويين المضربين عن الطعام، إلى جانب نهب الثروات الطبيعية للإقليم. كما جدد التأكيد على الحق غير القابل للتصرف للشعب الصحراوي في تقرير المصير والاستقلال.
وقال الوزير في كلمته: «إن حرية الشعوب لا تمنح على سبيل التكرم، بل يُعترف بها باعتبارها حقاً. والحقوق لا تصبح واقعاً ملموساً إلا بوجود إرادة سياسية للدفاع عنها».



