اختتمت أول أمس بفيلا بولكين “المتحف الإفريقي”، فعاليات الطبعة الحادية عشرة من المهرجان الثقافي الوطني للإبداع النسوي، التي احتفت على مدار خمسة أيام بالحرفة والتراث والذاكرة النسائية، ضمن برنامج جمع بين الفنون التقليدية والكتاب والسينما والموسيقى والتكنولوجيا، تحت شعار “حين تعود الحرف تتجدد الجذور”.
جعلت التظاهرة من الحرفة محورًا لاستعادة المعارف والممارسات التي تناقلتها النساء عبر الأجيال، باعتبارها رصيدًا ثقافيًا يتجاوز قيمته المادية ليحمل ذاكرة الأماكن وخصوصية الهوية الجزائرية، ويؤكد دور المرأة في صون الموروث وإغنائه.
وأتاحت الورشات الحية للجمهور التعرف عن قرب على مجموعة من الحرف، من بينها صناعة الحلي والأزياء والأنسجة والطرز والفخار والرسم على الأثاث، بما سمح باكتشاف تقنياتها ورموزها المتوارثة، وربط العرض بالممارسة الفعلية.
كما شهدت هذه الطبعة تقديم فضاء متحفي يضم أزياء تراثية نادرة يعود بعضها إلى القرنين السابع عشر والثامن عشر، إلى جانب «متحف أكال» الرقمي الذي يوظف تقنية النمذجة ثلاثية الأبعاد لتوثيق عناصر من التراث المادي الجزائري. وفي السياق ذاته، أُطلقت منصة «BE DJAZAIRI» للتعريف بالهوية الجزائرية وثراء تراثها الثقافي والفني والحرفي عبر الوسائط الرقمية.
وجمع عرض فني بتقنية الإسقاط ثلاثي الأبعاد بين التكنولوجيا والموروث الثقافي، مستحضرًا عناصر من التراث المادي واللامادي، على وقع مختارات من الموسيقى الأندلسية والشاوية بأداء بهجة رحال وحورية عايشي، قبل أن تختتم الحكواتية سهام كنوش التجربة بحكاية من الموروث الشعبي الجزائري.
وخصّص المهرجان حيزًا للكتاب والحوار عبر «المقهى الأدبي»، الذي تناول إسهامات المرأة في حفظ الذاكرة وتوثيق التراث، من خلال لقاءات مع كاتبات وباحثات وتقديم إصدارات حول الثقافة الغذائية والحكاية وأدب الأطفال. كما استعاد فضاء «القعدة» عادات وممارسات نسائية متوارثة، بالتوازي مع محاضرات وورشات تطبيقية ودروس متخصصة تناولت الذاكرة والتوارث والإبداع وسبل حماية التراث النسائي.
وحضرت السينما من خلال عرض فيلمي “تعزريت” للمخرجة أريناس كوثر درنوني و«تيشراض” للمخرج إيدير بن شعبان، فيما ضم الرواق الفني معارض للتصوير الفوتوغرافي واللوحات. وامتد البعد الاجتماعي للتظاهرة إلى زيارات لدار المسنين ومدرسة المكفوفين وضعاف البصر، واستقبال تلاميذ المدارس والأطفال ذوي متلازمة داون.
وفي إطار تثمين المسارات النسائية، كُرّمت الفنانتان حورية عايشي وبهجة رحال، والمطربة ليلى بورصالي، والممثلتان حورية بهلول وسهيلة فلاح، إلى جانب الشيف والباحثة في التراث الغذائي ياسمينة سلام، وصانعة المحتوى والممثلة يامنة، المعروفة بأمينة دحمان، تقديرًا لإسهاماتهن في الثقافة والفن والتراث.
وأكّدت مختلف محطات هذه الطبعة أن صون الذاكرة النسائية لا يقتصر على الاحتفاء بالموروث، بل يتطلب توثيقه ودراسة معارفه وفتح المجال أمام الأجيال الجديدة لتعلمه وتطويره، بما يجعل الحرفة ممارسة حية ومتجددة، وجسرًا يصل الماضي بالمستقبل، انسجامًا مع شعار المهرجان “حين تعود الحرف تتجدد الجذور”.




