الكتاب ركيزة أساسية لنشر المعرفة وترسيخ الوعي والهوية الثقافية، غير أن أهميته لا تتوقف عند إنتاجه ونشره، بل ترتبط أيضا بمدى القدرة على تسويقه وتوزيعه وإيصاله إلى مختلف فئات المجتمع، ومن هنا تبرز ضرورة تطوير سوق الكتاب في الجزائر، والانتقال من مجرد نشر الإصدارات إلى بناء صناعة ثقافية ومعرفية متكاملة تجمع بين القيمة الثقافية والجدوى الاقتصادية.
يعتبر البروفيسور العيد جلولي أنه يمكن الحديث عن سوق للكتاب في الجزائر، لكن يصعب القول إننا أمام سوق متكاملة ومنظمة بالمعنى الاقتصادي والمهني الدقيق، رغم وجود دور نشر ومكتبات ومعارض وطنية ودولية تسهم في تنشيط حركة الكتاب.
ويرجع جلولي ذلك إلى استمرار عدة تحديات، أبرزها مشكلات التوزيع، وارتفاع تكاليف الطباعة، وضعف القراءة لدى بعض الفئات، ومحدودية حضور الكتاب في مناطق عديدة، وهو ما يستدعي الانتقال من الاعتماد على المناسبات والمعارض إلى منظومة مستدامة تجعل الكتاب متاحا طوال العام.
ويرى محدثنا أن تسويق الكتاب لا يعني إخضاع الثقافة لمنطق الربح وحده، بل الجمع بين القيمة المعرفية والجدوى الاقتصادية، حيث يتطلب ذلك دراسة الجمهور المستهدف، والاهتمام بالإخراج الفني للكتاب، وتسعيره بما يتناسب مع القدرة الشرائية، والتعريف بمضمونه ومؤلفه، واختيار قنوات التوزيع المناسبة.
ويؤكد البروفيسور جلولي على ضرورة تحول الناشر إلى فاعل ثقافي واقتصادي يمتلك رؤية تسويقية واضحة، تستند إلى دراسة احتياجات القراء وتوقعاتهم، مع دعم المكتبات المستقلة وتطوير شبكات التوزيع وتشجيع الشراكات بين الناشرين والمؤسسات التعليمية والثقافية.
ويشدد جلولي على أن البداية تكون بوضع استراتيجية وطنية لتسويق الكتاب، تشترك فيها وزارات الثقافة والتربية والتعليم العالي، والناشرون والمكتبيون والجمعيات الثقافية، ويقترح – في هذا الإطار – اعتماد قوافل الكتاب والمكتبات المتنقلة، وتنظيم معارض محلية ودورية، وإنشاء فضاءات للقراءة في المؤسسات التربوية والجامعية ومراكز الشباب.
ويؤكد جلولي ضرورة الاهتمام بكتب الأطفال واليافعين، والكتب الموجهة إلى ذوي الاحتياجات الخاصة، وتشجيع القراءة في المناطق البعيدة عن المراكز الحضرية، إلى جانب تقديم عروض مناسبة للطلبة والعائلات وتطوير نظام توزيع يضمن وصول الإصدارات الجزائرية إلى مختلف الولايات، بدل تركيزها في المدن الكبرى.
ويرى محدثنا أن المنصات الرقمية أصبحت ضرورة لا خيارا إضافيا، لما تتيح للناشر من فرص لعرض إصداراته والتواصل المباشر مع القراء والتعريف بالكتب الجديدة عبر الفيديوهات القصيرة والحوارات والمراجعات الأدبية، كما يقترح – في السياق – إنشاء منصة جزائرية موحدة تجمع بيانات الكتب والناشرين والمكتبات، وتتيح البحث عن العناوين وطلبها وشرائها، مع توفير خيارات للدفع والتوصيل، ويضيف أن تطوير الكتب الإلكترونية والكتب الصوتية، والاستفادة من تحليل اهتمامات القراء لتحسين الحملات التسويقية، من شأنهما تعزيز انتشار الكتاب، مع ضرورة احترام حقوق المؤلف والملكية الفكرية.
ويخلص البروفيسور العيد جلولي في تصريحه إلى أن مستقبل الكتاب في الجزائر مرهون بالانتقال من ثقافة نشر الكتاب إلى ثقافة صناعة الكتاب وتداوله، فالكتاب ليس سلعة تجارية فحسب، بحكم أنه ركيزة للوعي والهوية والتنمية، ولذلك، فإن تسويقه الناجح هو الذي يحقق التوازن بين صون قيمته الثقافية وضمان استمراريته الاقتصادية، حتى يصل إلى القارئ أينما كان.







