يرى الدكتور إبراهيم الخليل بن عزة، أن سوق الكتاب بالجزائر لم تستكمل بعد شروط التنظيم والاحتراف والاستدامة، رغم وجود دور النشر والمطابع والمكتبات والمعارض، مرجعا ذلك أساسا إلى محدودية التوزيع وضعف المعطيات الدقيقة حول المبيعات وسلوك القراء، فضلا عن ارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع القدرة الشرائية. وأكد، في تصريح لـ«الشعب»، أن تجاوز هذه الاختلالات يقتضي بناء منظومة متكاملة لتسويق الكتاب وتوزيعه وضمان وصوله إلى جمهوره المستهدف.
وأوضح بن عزة أن ضعف تسويق بعض الإصدارات لا يعني بالضرورة تدني قيمتها العلمية أو الأدبية، إذ قد يكون الكتاب جيدا، لكنه لا يصل إلى جمهوره، ومن هذا المنطلق، يشدد على ضرورة الانتقال من مجرد إنتاج الكتاب وطباعته إلى إدارة دورة حياته كاملة، باعتباره منتجا معرفيا واقتصاديا في آن واحد، ضمن ما يعرف باقتصاد الصناعات الثقافية والإبداعية.
ويؤكد بن عزة أن تحويل الكتاب إلى منتج قابل للتسويق لا يعني إخضاع المعرفة لمنطق الربح على حساب قيمتها، وإنما توفير الآليات التي تضمن وصولها إلى القراء واستمرار تداولها. ويبدأ ذلك بفهم الجمهور المستهدف قبل النشر، وتحديد حاجاته واهتماماته، ثم الاهتمام بعناصر تقديم الكتاب، من العنوان والغلاف والتعريف بالمحتوى إلى التسعير والتوزيع والترويج، مع مراعاة خصوصية كل إصدار؛ فالكتاب الأكاديمي المتخصص لا يُسوّق بالضرورة بالأدوات نفسها المعتمدة لترويج الأعمال الأدبية الموجهة إلى جمهور واسع.
وفي هذا الإطار، يشدد محدثنا على أهمية الشراكة بين الناشر والموزع والمكتبة والجامعة والمؤسسات الثقافية، وتطوير قنوات بيع منتظمة واتفاقات توزيع واضحة، إلى جانب اعتماد آليات لمتابعة المبيعات والمخزون وحقوق المؤلف، كما يدعو إلى تجاوز حصر تسويق الكتاب في مواسم المعارض والتوقيعات، وتحويله إلى نشاط مستمر يسبق صدور الإصدار ويواكبه ويمتد إلى ما بعده، بمساهمة الجامعات والمكتبات العمومية ومراكز البحث والمدارس والجمعيات الثقافية، بما يجعل هذه الفضاءات شريكا فاعلا في التعريف بالإصدارات وتوسيع دائرة اقتنائها.ويلفت بن عزة إلى أن المنصات الرقمية تتيح فرصا لتوسيع سوق الكتاب الجزائري، شريطة ألا تقتصر الرقمنة على إنشاء صفحات عبر مواقع التواصل الاجتماعي ونشر صور الأغلفة، بل أن تشمل متاجر إلكترونية موثوقة، ووسائل دفع مناسبة، وخدمات توصيل تغطي مختلف الولايات، وفهارس موحدة تتيح البحث عن الكتب ومعرفة أسعارها وأماكن توفرها، كما يقترح توظيف الفيديوهات القصيرة والبودكاست ومراجعات القراء واللقاءات المباشرة مع المؤلفين في التعريف بالإصدارات وصناعة اهتمام مستمر بها، إلى جانب تطوير الكتب الإلكترونية والصوتية، مع ضمان حقوق المؤلفين.
وفي رؤية الاستشرافية، يدعو بن عزة إلى إنشاء مرصد وطني لسوق الكتاب، يتولى جمع بيانات الإنتاج والمبيعات والتوزيع والقراءة، بما يساعد الناشرين على اتخاذ قرارات مبنية على معطيات دقيقة، بدل الاعتماد على الانطباعات، كما يشدد على أهمية الابتكار في نماذج التوزيع، وتطوير الترجمة، وربط الكتاب الجزائري بالأسواق العربية والإفريقية.
ويخلص بن عزة إلى أن مستقبل الكتاب في الجزائر لا تحدده الرقمنة وحدها ولا حجم الدعم العمومي فحسب، بل يرتبط بقدرة الفاعلين على بناء منظومة متكاملة تجعل الكتاب متاحا، والقراءة ممارسة اجتماعية، والنشر نشاطا اقتصاديا قابلا للاستمرار.







